
في كلّ زمانٍ سقط فيه العقل، صعد الغباء على عرش الحياة، متوَّجًا بأكاليل الشعبوية، تحرسه جحافلُ من السطحيين، ويسنده جيش من المثقفين المزيفين! لا يعود الغباء هنا مسألةَ ضعفٍ ذهني أو محدودية في الإدراك، بل يصبح عقيدةً وموقفًا وخيارًا سياسيًا واجتماعيًا، بل خيارًا وجوديًا ضدّ الحقيقة نفسها!
الغباء في أخطر صوره ليس أن تجهل، بل أن ترفض المعرفة حين تُقدَّم لك! أن تغلق عينيك لأن النور يفضح عوراتك! أن تهاجم من يحاول إنقاذك لأنه يزعج راحتك الوهمية!
وهنا يكمن السؤال الوجودي الحارق:
هل الغباء مجرّد جهل، أم مقاومة شرسة للحقيقة؟
قال أفلاطون: “الجهل أصل كل الشرور!”
لكن الواقع يُظهر ما هو أعمق: الجهل الذي يتربى في حضن الغباء، ويُغذّيه مثقفون خونة، هو الأب الحقيقي لكل ما يُخرّب الإنسان من الداخل!
أخطر من الشرّ: الغبي الذي يقاوم الحقيقة!
الشرّ منظَّم، له أهداف، دوافع، أحيانًا حتى تبريرات! لكن الغباء؟ لا منطق له، لا وجه، لا عمق! إنه الفوضى التي تبتلع كل بنية للعقل! إنه الثقب الأسود الذي لا يكتفي بجهله، بل يجرّ غيره إلى دوامة من الضياع!
الغبي لا يطلب الحقيقة، بل يهرب منها! يكره المرآة، ويسبّ كلّ من يحملها!
يرى كلّ ناقدٍ للواقع كائنًا مزعجًا يجب التخلص منه!
وفي اللحظة التي تحاول فيها تنبيهه، يُشهر في وجهك سلاحه الأعمى: “دعك من الفلسفة، نحن نعيش الواقع!”
وهنا لا يكون النقاش نافعًا، ولا المعرفة كافية!
الحقيقة في وجه الغبي ليست أداة إيقاظ، بل صدمة تُوقِظ غضبه!
وقد قيل: “من أراد أن يعلّم الجاهل، فقد عرّض نفسه للعداوة!”
والمثقف الخائن: شريك الغباء في الجريمة!
أسوأ من الجاهل، ذاك الذي يعرف ويسكت! أو يعرف ويكذب!
ذاك الذي قرأ، وتعلّم، وتثقف، ثم وقف إلى جانب السلطة، يلمّع وجه الجلاد، ويقمع أصوات الناس تحت ذريعة “المصلحة العامة”!
إنه المثقف الموظف، خادم السلطان، بائع الضمير، قاتل الوعي بربطة عنق!
قال علي شريعتي:
“المثقف هو الذي يشعر بمسؤولية تجاه مجتمعه، لا من يقف في صفّ السلطان!”
لكن أين هذا المثقف اليوم؟!
أين ذاك الذي يُعرّي التناقض، ويهدم الأكاذيب، ويقف عاريًا مع الكلمة، ولو وحده؟!
معظم من يملأون الشاشات والندوات ومواقع التواصل اليوم، هم طفيليات فكرية!
يبررون القمع، يُجمّلون التخلّف، يُعيدون إنتاج الخرافة في ثياب “الهوية” و”التراث”!
يُقايضون الحقيقة بالمنصب، ويغلفون انبطاحهم بورق ثقافي ملون!
قال نيتشه: “المثقفون الخونة هم من جعلوا الكذبة تحكم العالم!”
حين يصبح الصمت خيانة، والكلمة فعل مقاومة!
في مجتمعات الخوف، الكلمة تكلّف رأسًا!
وفي مجتمعات الغباء، الكلمة لا تُفهم أصلًا!
لكن في كلا الحالتين، الكلمة تبقى أمل الإنسان الأخير في ألا يتحوّل إلى قطيع!
قال غرامشي: “المثقفون الحقيقيون هم أولئك الذين لا يخشون دفع الثمن لأجل قول ما يجب أن يُقال!”
السكوت أمام الجريمة، جريمة!
والتواطؤ مع الطغاة، مشاركة في الجريمة!
وكلّ مثقف يختبئ خلف شعارات الحياد، هو في الحقيقة يضع يده في يد السلطة، ويسلّم روحه للغيبوبة الجماعية!
نحو خلاصٍ لا يصنعه الأغبياء ولا يُنظّره المزيفون!
لا يمكن لشعبٍ أن يتحرّر، إن لم يُسمّ الغباء عدوّه الأول!
ولا يمكن لمثقف أن يُسمّى كذلك، إن لم يكن خنجرًا في خاصرة الاستبداد!
لا يُخيف الطغاة الجاهل، بل المفكر!
ولا يُرعبهم الرصاص، بل الكلمة التي تفضح!
لذلك، فلتكن مثقفًا لا موظفًا!
واعيًا لا مروّجًا!
منتميًا للحقيقة، لا للرايات المزيفة!