
أنتَ ما تُكرره… لا ما تُعلنه!
“الهُويّة كفعل متراكم لا كلمات عابرة”
ليست الشخصية صفة جامدة تولد معنا، ولا الهوية كتلة صلبة تسكن فينا منذ البداية! نحن، في جوهرنا، مجموع عاداتنا! مع الوقت، ومع التكرار، يصبح الإنسان هو ما يفعله مرارًا، لا ما يتصوره عن نفسه، ولا ما يتمناه في لحظة صفاء عابرة!
راقب ما تفعله كل يوم… لأن ما تكرره، حتى وإن بدا بسيطًا أو عابرًا، هو الذي يُشكّلك ببطء دون أن تشعر! الجملة التي تعيدها في رأسك، السلوك الذي تسمح له أن يتكرر، المزاج الذي تستسلم له، وحتى الطريقة التي تنظر بها في المرآة… كلها تتحول إلى بنية نفسية، ثم إلى نمط حياة، ثم إلى مصير!
الهوية ليست جوهراً ثابتاً، ولا حقيقة مولودة، ولا كينونة محفوظة داخل صندوق جينيّ مغلق! الهوية، بكل بساطة، هي ما تفعله بتكرار!
ليست ما تقوله عن نفسك في خطاب حماسي!
ولا ما ترفعه من شعارات على فيسبوك!
ولا حتى ما تكتبه في سيرتك الذاتية أو في بطاقتك الشخصية!
الهوية… هي ما تُمارسه كلّ يوم دون أن تنتبه!
هي طريقة قيامك من السرير!
هي لهجتك حين تتحدث دون تفكير!
هي نبرة صوتك حين تخاف، وحين تغضب، وحين تبرر!
“أنتَ، في النهاية، مجرد عادة تمشي على قدمين!”
الهوية ليست فكرة، بل سلوك مُعاد ومكرر حتى فقدَ معناه… ثم صار أنت!
ما تعتاد عليه… يصبح شكلك الداخلي!
ما تكرره… يصبح طباعك، ثم مصيرك، ثم قَدَرك!
هذا مخيف… لأن التكرار لا يراعي نواياك!
لا يعنيه إن كنت تقصد الخير أو الجمال أو التغيير!
هو فقط يطبع عليك أثر ما تقوم به، بصرف النظر عن دوافعك!
من يكرّر الكسل… يصبح كسولًا، حتى لو كان عبقريًا في داخله!
من يكرّر الشكوى… يُصاب بعدوى العجز، حتى لو امتلك قدرات خارقة!
ومن يكرّر التبرير… يفقد العمود الفقري للحق!
إنّ ما يُرعب في هذا ليس أنك تكذب على الآخرين… بل أنك مع الوقت، تكذب على نفسك، ثم تُصدّق الكذبة!
تصحو يومًا… وتكتشف أنك صرت شخصًا لم تكن تنوي أن تكونه قط!
لكنك وصلت إليه… بالتكرار فقط!
دراسة علمية: التكرار يعيد تشكيل المخ!
أظهرت دراسة في جامعة هارفارد (Schwartz & Begley, 2002) أن التكرار السلوكي يعيد تشكيل الدوائر العصبية في الدماغ، وهو ما يُعرف بـ اللدونة العصبية (Neuroplasticity)!
كل مرة تقوم بها بسلوك معين، تنشئ طريقًا عصبيًا جديدًا، وكل تكرار لاحق يقوّيه أكثر فأكثر… حتى يصبح هو الطريق الافتراضي لعقلك!
بمعنى آخر:
“ما تكرره، يكررك!”
احذر التكرار السيئ، فهو يصنعك كما يصنع غيرك!
إن أخطر ما في العادات أنها حيادية أخلاقيًا! التكرار السيئ لا يقل فاعلية عن التكرار الإيجابي، لكنه يسحبك نحو الهاوية وأنت تظن أنك ثابت في مكانك! التكرار على الكسل يصنع روحًا ميتة! التكرار على الشكوى يصنع عقلية ضحية! التكرار على الخوف يصنع جبانًا حتى من دون تجربة خطر حقيقي!
قال أرسطو:
“الفضيلة ليست فعلًا، بل عادة”!
“نحن ما نكرره! لذا فالتميّز ليس فعلًا، بل عادة!”
وأضاف ويليام جيمس، أحد آباء علم النفس الحديث:
“أعطِني طفلاً، ودعني أتحكم بعاداته اليومية… أعطيك مصيره!”
فرويد: “ما لا يُفهم… يُعاد!”
نيتشه: “الهوية ليست شيئًا تملكه، بل شيئًا تكرره حتى تنساه!”
إريك فروم: “الإنسان يصير ما يفعله، لا ما يحلم به!”
ابدأ بتكرار ما يشبهك، لا ما ورثته!
المجتمعات تُبرمجنا، لكننا نملك حق العصيان! لا تكن أسير ما كرروه لك في طفولتك، ولا ما لقّنك إياه نظام مهترئ أو دين موروث! إذا كررت ما لا يشبهك، ستغدو مع الوقت شخصًا آخر… غريبًا عن نفسه، مرعوبًا من الحرية، وحبيسًا في عادة لا تعكس جوهره الحقيقي!
ابدأ بتكرار الأشياء التي تُشبهك… القراءة التي تهزك، الكتابة التي تشبهك، العلاقات التي تحترم عقلك، الخطوات التي تعكس إرادتك، لا أوهام غيرك! ومع الوقت… ستصبح أنت! لا ما أرادوا لك أن تكونه!
الهُوية ليست ما ورثته… بل ما أعدت إنتاجه بنفسك!
يريدون منك أن تصدّق أنك وُلدت مسلمًا، أو مسيحيًا، أو عربياً، أو محافظًا، أو ابن قبيلة، أو ضحية… لكن الحقيقة أكثر فظاعة من ذلك!
أنت لم تُولد كذلك… أنت فقط كررت هذه الأكاذيب بما يكفي لتتحول إلى جزء منك!
لم تختَر دينك… بل رددت صلاتهم حتى صارت صلاتك!
لم تختَر قوميتك… بل صفّقت لخطاباتهم حتى صارت مشاعرك!
لم تختَر دورك… بل لعبته مراراً حتى نسيته… وصار أنت!
التكرار… هو الميدان الحقيقي للحرية!
التحرّر لا يبدأ من ثورة على الخارج… بل من كسر دائرة التكرار الداخلي!
أن تلاحظ ما تفعله بلا وعي… أن تفكّكه، أن تعيد بناءه، أن تختار شكلك من جديد!
أن تتوقّف عن العيش كمنتج ثقافي مكرر!
أن ترفض أن تكون ابن العادة… حتى تصير ابن إرادتك!
خلاصة:
لا تسأل “من أنا؟” بل اسأل “ما الذي أكرره كل يوم؟”
لأنك، في النهاية… ما تعيده، لا ما تعلنه!