
ما إن يتحدث العربان عن “زيف ديمقراطية الغرب” و”خداع حريتهم”، حتى ترتسم أمامك مسرحية عبثية، أبطالها جهلة يثرثرون بما لا يفهمون! يصرخون في كل مكان، يلقون خطبًا نارية وكأنهم يمسكون الكون من ناصيته! يتحدثون عن مؤامرات كونية، عن أن الغرب يبيعهم الحرية المزيفة والديمقراطية المغشوشة! كأنهم يومًا عرفوا الحرية أو تذوقوا طعم الديمقراطية ليميزوا بين المزيف والحقيقي!
أيها الصارخون في وادٍ من الغباء، من الذي قال لكم إن الدول تتعامل مع بعضها بديمقراطية وحرية؟! هل تخيلتم أن السياسة الدولية هي ساحة لعب للأطفال، حيث الجميع ينشر الزهور ويعانق بعضه البعض في حب وسلام؟! لا يا سادة، العلاقات بين الدول ليست حفلة تنكرية يرتدي فيها الجميع أقنعة الأخلاق، بل هي غابة لا تعترف إلا بمن يملك أنيابًا أطول!
الديمقراطية التي تتحدثون عنها في الغرب ليست بضاعة تُصدر في حاويات شحن، ولا هي برمجيات يمكن تحميلها على عقولكم العاجزة! إنها نتاج مئات السنين من التضحيات والوعي والنقد والصراعات بكافة أشكالها دفاعًا عن الحق والكرامة! أما أنتم، فماذا قدمتم سوى الركوع للحاكم، والتهليل للطاغية، وإطلاق الخرافات في كل اتجاه منذ 1400 سنة حتى اليوم؟!
الغرب لم يكذب عندما قال إنه ديمقراطي؛ لقد بنى مؤسساته، فصل سلطاته، وانتزع حريته من بين أنياب الكنيسة والإقطاع! أما أنتم، فلا زلتم تتناحرون على فتات الموائد، وتُسبّحون بحمد الطغاة كأنهم آلهة على الأرض! تريدون من أمريكا وأوروبا أن تمنحكم ديمقراطية مجانية، وكأنكم تتسولون الحرية عند أبواب السادة!
من المثير للسخرية أنكم تصرخون في وجه الغرب لأنه لا يتعامل معكم بعدل! أي عدل تنتظرونه وأنتم لا تعدلون بين بعضكم البعض؟! تتحدثون عن الحرية وأنتم تسحقون أصواتكم بأيديكم، وتلجمون أفواهكم بالخوف والجهل! تريدون ديمقراطية الغرب، وأنتم لم تفهموا بعد كيف تبنون صندوق اقتراع دون أن يُملأ بالتزوير!
أفيقوا من أوهامكم، فلا الحرية تُستورد، ولا الديمقراطية تُشترى من الأسواق! هي مشروع عظيم، تُبنى لبناته في العقول قبل أن تُرسى دعائمه في الميادين! أنتم بحاجة إلى ألف سنة من الثورة على الجهل، من تحطيم الأصنام التي تملأ عقولكم، من كسر السلاسل التي تقيد أفكاركم قبل أيديكم!
“لا تنتظروا من الغرب أن يمنحكم ما عجزتم عن منحه لأنفسكم! فالمستعبد لا يُحرر، إلا عندما يدرك أنه عبد!”
كم هو مؤلم ومثير للسخرية أن يعتقدوا أن الظلم الذي يعيشونه هو نتاج مؤامرة غربية، بينما الحقيقة في أبسط صورها تقول إنهم ببساطة لا يعرفون ما يريدون! لا يعرفون كيف يُبنى وطن، ولا يدركون أن الحرية لا تُستجدى، بل تُنتزع!
صرخاتكم أيها العربان، لن تتجاوز حدود أوهامكم! والحرية التي تتحدثون عنها ليست في جيب أمريكا، ولا في يد أوروبا؛ هي في عقولكم المغلقة، وفي قلوبكم المرهونة للطغيان!
فمتى ستفهمون أن الديمقراطية ليست هدية تُمنح، بل وعي يُصنع؟!