
يستيقظون كل صباح على ذات الأمل الذي خلّفه أجدادهم منذ قرون: “الله بيحلها”! عبارة سحرية تكفي لتأجيل كل شيء: النهوض من السرير، مواجهة الظلم، محاربة الجهل، وحتى السؤال عن معنى الحياة! فطالما هناك قوة عظمى ستتدخل في اللحظة المناسبة، لماذا يزعجون عقولهم الصغيرة بالتفكير؟!
لقد جربوا هذه النظرية طويلاً، مرّت عليهم دول واحتلالات، قصفوهم، نهبوهم، سحلوهم في الشوارع، وساوموهم على الكرامة، لكنهم ثابتون على المبدأ! “الله بيحلها”! حتى الموت أصبح مشهداً عادياً، مجرد “قضاء وقدر”، وليست مشكلة تتطلب مساءلة أو محاسبة، أو حتى مجرّد تفكير جدي!
عقلية الضحية متأصلة فيهم كالجينات، يحبون أن يبكوا على الأطلال، يلطِمون على الخدود، ويصرخون في وجه السماء: “لماذا نحن؟” لكنهم غير مستعدين إطلاقاً لطرح السؤال الأهم: “كيف وصلنا إلى هنا؟” لأن الإجابة مرعبة أكثر من الأسئلة نفسها!
إنهم مستعدون للشكوى طيلة 24 ساعة، سبعة أيام في الأسبوع، وللحديث عن مؤامرات الكون عليهم! مستعدون لتحليل كل تفصيل في “نظرية المؤامرة الكبرى”، لكنهم غير مستعدين لقراءة كتاب من 100 صفحة، أو حتى مقال طويل! المقالات الطويلة تشبه الرياضة بالنسبة لهم، يسمعون عنها كثيراً لكن لا يمارسونها أبداً!
والأطرف من ذلك كله، أنهم يهربون من كل شيء طويل! المقالات الطويلة تبدو لهم كوحش أسطوري، النقاشات الفكرية العميقة كأنها سجون ذهنية، وحتى الكتب الكبيرة، كأنها أحجار مرعبة! إنهم يفرّون من كل ما يستغرق وقتاً وجهداً، إلا من شيء واحد… شيء طويل لا يزعجهم أبداً، بل يحتفون به، يتغنّون بطوله، ويفخرون بأنهم يستطيعون الاستمرار معهم لساعات! شيء تعرفونه جميعاً، ويعرفونه جيداً!
ويعرفون الحل جيداً، أليس كذلك؟!
القضاء على الجهل!
لكن كيف؟ بنشر المعرفة!
وهنا تبدأ النكتة الكبرى! لأن نشر المعرفة في مجتمع لا يقرأ يشبه توزيع كتب عن حقوق المرأة في مجتمع طالبان! بدون دولة تؤمن بالعلم والتعليم، بدون إعلام يُعلّم لا يُلقّن، وبدون نظام يؤمن بأن الفرد له عقل يجب أن يعمل، ستكون المهمة أشبه بمسيرة في الصحراء دون ماء!
لكن هل من حبة سحرية يمكن أن يبتلعوها، فيستيقظون فجأة أذكياء، متقبلين للنقد، شغوفين بالحوار، محبين للحرية والديمقراطية؟! للأسف، لا توجد هذه الحبة، ولو وُجدت، سيكونون أول من يرميها في البحر لأنهم “ما بيحبوا الوجع”!
نشر المعرفة يحتاج زمناً، وربما دهراً، حتى يصلوا لمجتمع ربع أفراده مثقفون، والباقي ليسوا مجرد أعداد بشرية تتكاثر وتستهلك الأوكسجين بلا طائل! لكن المصيبة الأكبر: من في مجتمعهم على استعداد لخوض معركة طويلة الأمد؟!
لا أحد! إنهم أبطال اللحظات القصيرة، التشنجات العاطفية، الصراخ المؤقت، ثم يعودون ليلعقوا جراحهم أمام شاشات التلفاز، منتظرين النشرة الجوية ليتأكدوا إن كان “الله رح يحلها” غداً!
عن شعبٍ يدمن دور الضحية ويتفنن في الصراخ!
إن كنت تمر بين المحلات الشعبية أو تتنقل بين صفحات التواصل الاجتماعي، ستلاحظ أمراً عجيباً: الجميع ضحايا! ضحايا حكومات ظالمة، ضحايا مؤامرات دولية، ضحايا جيران حاسدين، وضحايا حتى لأمزجتهم المتقلبة! يبدو أن لعب دور الضحية أصبح “ترند” مجتمعي، بل هو المهرب الوحيد الذي يجعلهم يشعرون بشيء من الراحة الزائفة!
هم بارعون في سرد المآسي، يتقنون لعن الحكومات والقدر والتاريخ، ويتفاخرون بمسلسل من المصائب لا ينتهي! لكن، هل خطر في بال أحدهم أن يسأل: “طيب، ما الحل؟” هنا تتوقف الكلمات، وتتلعثم الألسنة، لأن السؤال مخيف، يحتاج لتفكير، والتفكير مجهد، وهم يعشقون الراحة!
في الغرب – نعم، ذلك الغرب الكافر الذي يكرهونه علنًا ويعشقونه سرًّا- دور الضحية هو مرحلة انتقالية نحو الفعل! الناس هناك يشتكون، يثورون، ثم يبنون! أما هم، فيتقنون الشكوى، يثورون على فيسبوك، ثم يعودون لمتابعة مسلسلات تركية هابطة، ويتسلّون بالنميمة على فلان وعلان، كأن الثورة على الورق كافية لتغيير العالم!
حتى عندما خرجوا إلى الشوارع، ملأوا السماء بالشعارات، وأعلنوا ثورات الكرامة! لكن ماذا حدث بعد ذلك؟ عادوا لنفس النقطة، لأنهم لم يتحرروا من تلك العقلية العاجزة، فتركوا دور الصانع للآخرين!
والأدهى، أنهم عندما يخرج بينهم من يحاول أن ينير العقول، يُسكتون صوته، يتهمونه بالتآمر، بالخيانة، بالزندقة، لأنه ببساطة كسر قداسة الجهل التي تعودوا أن يعيشوا تحت ظلها!
مسؤولية الذات: الخروج من القفص!
هنا المفارقة الكبرى؛ الجميع يعرف أن الجهل هو المشكلة، ونشر المعرفة ودعم أصحابها هو الحل، حتى لو استغرق عقوداً من الزمن! لكن، أين هم من هذا؟! لا أحد منهم مستعد لتحمل شتيمة من جاهل، أو تهديد أجوف من أحمق! هنا تتجلى الهشاشة الفكرية، الخوف المزروع في العقول، تلك الحساسية المفرطة أمام كلمة قاسية أو موقف سخيف!
يتفننون في إيجاد الأعذار، يستخرجون من جعبتهم الحجج المهترئة: “خوفاً من المشاكل، رعباً من العواقب، لا وقت لدي، الحياة صعبة، الأوضاع معقدة، أنا متعب”! كأن نشر المعرفة يحتاج لجيشٍ جرار أو طائرات حربية! يحتاج فقط شجاعة، كلمة في العلن، فكرة تتحدى القطيع، دعوة لقراءة كتاب أو نقاش فكري يتجاوز القشور السطحية!
لكنهم يفضلون الهروب، يختبئون خلف الشاشات، يلعنون الظلام ولا يشعلون شمعة! يخافون من مواجهة الجاهل في نقاش، يرتجفون أمام تهديدٍ من أحمقٍ لا يفقه شيئاً، يختارون الصمت لأنهم “ما بدهم وجع راس”!
إذا قرأت كل ما سبق بشكل جاد وصادق.. فمبارك لك، أنت من القلة النادرة!