
في الحالة السورية، لم يعد العنف حادثًا ولا استثناءً، بل أصبح نظامًا يوميًا! سوريا ليست بلدًا فقط، بل مختبرًا مفتوحًا للعنف الممنهج بأبشع أشكاله! من العنف الرمزي في الشعارات، إلى العنف الجسدي في الزنازين، إلى العنف النفسي في المدارس، إلى العنف الوجودي حين تُجبر على الصمت بينما تُهان روحك!
منذ عقود، تمّت صناعة المواطن السوري ليكون خائفًا! لم يكن يُطلب منه أن يفكر، بل أن يطيع! أن يُصفّق، لا أن يسأل! أن يمدح الزعيم، لا أن ينظر في المرآة! هذا هو العنف الذي يُمارَس على الوعي: مصادرة العقل لحساب الشعارات، مصادرة العاطفة لحساب الوطن، مصادرة الفرد لحساب “الأمة”! وهكذا تحوّلت سوريا إلى مسرحٍ من القهر، تتحرك فيه الأجساد كما يريد الطاغية، لا كما يرغب الإنسان!
ثم جاءت الثورة، لا كحدث سياسي فقط، بل كانت صرخة نفسية، انفجارًا روحيًا، لحظة تمزّق فيها القالب الحديدي الذي صاغه القمع. لكنها، أيضًا، كشفت كم أن العنف قد تغلغل في النسيج النفسي السوري! فحين غابت الدولة، لم يظهر الإنسان الحر، بل ظهر الإنسان المشوّه، الحامل لعقده، المُفرغ من ذاته، الساعي للانتقام بدلًا من التحرير!
تكررت نماذج الجلاد في صور جديدة: تنظيمات ترفع شعارات الله، لكنها تمارس أبشع أشكال القتل! فصائل تتحدث عن الحرية، لكنها تعذّب باسم “الأمن الثوري”! هنا، تحول العنف إلى ميراث! من نجى من قهر النظام، سقط في فخ قهر الجماعة! إنها حلقة لم تنكسر بعد، لأن القهر لم يُحلّل نفسيًا، ولم يُفكك بنيويًا!
وما بين الهجرة، والسجون، والانقسام، والمخيمات، يعيش السوري اليوم بين ذاكرتين: ذاكرة القمع الرسمي، وذاكرة الخيانة الشعبية! وكلاهما يُنتجان عنفًا داخليًا، يدفع الإنسان إلى الانطواء، أو التوحش، أو الانهيار!
⸻
مراجع داعمة لهذا التحليل:
1. ياسين الحاج صالح، الثورة المستحيلة
تحليل معمّق للتحولات النفسية والسياسية للثورة السورية، من الأمل إلى التشظي!
2. أمل نصر، تحليل خطاب العنف في وسائل الإعلام السورية
تبيّن كيف يتم توظيف اللغة والإعلام لبناء ثقافة القهر وتمجيد الجلاد!
3. محمد أبو رمان، سوسيولوجيا الحركات الإسلامية في سوريا
دراسة لظهور العنف الديني كبديل مشوّه عن الدولة، ونتاج مباشر للقهر المجتمعي!
15.هالة الأطرش، العنف والعائلة في المجتمع السوري
تقدم تحليلاً نفسيًا للعنف الأسري كمرآة للعنف السياسي الممتد.