
أكثر جملة تكررت في حياتي خلال عشرين عاماً هي:
“أنت تقول ما أفكر فيه، لكنني لا أعرف كيف أصوغه مثلك!”
وهنا، لا نتحدث عن عبقرية! ولا عن موهبة خارقة! بل عن شيء بسيط جداً:
امتلاك المفردات!
الناس، باستثناء أولئك الغارقين في التطرف، ليسوا جهلاء بالفطرة!
لكن أغلبهم يُحبس داخل حدود لغته، لا لقصور في الفكرة، بل لعجزٍ عن التعبير عنها!
وكما قيل: “إذا لم تعبّر عمّا في داخلك، سيأكلك!”
وهذا العجز لا يُعالج بالندم، ولا بالادعاء، بل بطريقة واحدة فقط: القراءة!
نعم، كثرة القراءة لا تضيف إلى رأسك معلوماتٍ جديدة فحسب، بل تملأ خزانك الداخلي بمفردات، بتراكيب، بصيغٍ لغوية ستجدها تخرج منك بشكل لا واعٍ، في التوقيت الدقيق، في الجملة المناسبة، بل في النبرة والانفعال الذي يليق بالحدث!
تقرأ؟ إذًا فأنت تُغذي عقلك، تُمكّن لغتك، وتفتح لروحك نوافذ جديدة!
“العقل كالسيف، إن لم تُحدّه صدئ!”
هل تريد أن تصبح خطيباً؟
لا؟!
حسناً، لكنك بحاجة لتُصبح “خطيباً” من نوع آخر!
ذلك الذي لا يقف على المنابر، بل يجلس بين الناس ويعرف كيف يحكي!
يُدهش، يُعبّر، يُثير أسئلة، ويترك أثراً!
في كل طاولة حوار، في كل لقاء عابر، في كل لحظة صمت!
تُصبح أنت الشخص الذي يصنع الكلام لا يستهلكه!
تُصبح هو، لا تابعاً له!
“إذا لم تكن صاحب القول، صرت تابعاً لكل قائل!”
لكن القراءة وحدها لا تكفي!
فهناك لغة أخرى لا تقل شأناً: لغة الجسد!
كيف تجلس؟ كيف تنظر؟ متى تبتسم؟ متى تصمت؟
كل ذلك يُعبّر قبلك، ويُشكّلك أمام الآخرين!
“الهيبة لا تُشترى، ولكن تُصاغ من حضورك!”
كل هذا لم يعد حكراً علينا كرواد علم النفس!
بل صار متاحاً!
ها هي الكتب المبسطة تملأ المكتبات!
وها هي الفيديوهات التعليمية تغزو الإنترنت!
فما هو عذرك إذًا؟!
ما هو مبررك للبقاء في القالب الذي “كوّنك” فيه محيطك؟!
إلى متى ستبقى حبيس تلك النسخة التي شكلها فيك مجتمعك، مدرستك، خوفك؟!
التحرر يبدأ من كلمة تقرأها،
من جملة تفهمها،
من فكرة تتبناها،
ومن جُرأة تقول بها لنفسك:
أنا أستحق أن أتغير!
“من لا يملك لغته، لا يملك مصيره!”
——————
ربما لا تقرأ هكذا كلام في مكان آخر!
فمدعي الثقافة يريدون جمهوراً يصفق لهم كنخبة مميزة بالفطرة!
(لاتعطني سمكة؛ بل علمني الصيد).
بينما أنا طيلة سنوات أبحث عن رفاق درب وأصدقاء السلاح، سلاح الفكر كي نكون يداً واحدة في مواجهة هذا الغباء الجمعي المستفز بكل مكان!
لا جمهوراً مصفقاً!
كن سنداً لي ولغيري من محاربي الشعوذة الفكرية، وإلا سنضطر يوماً لتلقي اللعنات من أطفال المستقبل على ما تركناه لهم من جهل وتخلف مستفحل في كل مكان!
تماماً كما نلعن نحن من ترك لنا هذا الخراب الذي نعيشه!
تذكر هذا: لست أفضل منك، ولا من تشاهدهم وتقرأ لهم أفضل منك، أنا وغيري سبقناك فقط!
سبقناك في تغذية شغفنا وفضولنا في المعرفة!
فابدأ…