
الغباء الذي نتحدث عنه هنا ليس مجرّد ضعف في الإدراك أو سوء فهم… بل هو غباء مؤسّس، مغلّف بالمقدّس، ومدعوم بشبكة من التقاليد والمخاوف والخرافات التي تعمل معًا كمنظومة دفاع نفسي واجتماعي!
وما إن يبدأ الإنسان في استنشاقه منذ الطفولة، حتى يتحوّل إلى بنية نفسية تضمن له النجاة داخل القطيع، ولو كلّفه ذلك خيانة العقل!
فحين يُمنَع الإنسان من التعبير عن ألمه الحقيقي، ومن تحليل واقعه بصدق، يُحوّل غضبه إلى أقرب الناس إليه:
الأب يضرب أبناءه، الزوج يقمع زوجته، المعلم يُهين طلابه، الجار يحقد على جاره، والمجتمع بأسره ينقلب على ذاته!
لم يعد العدو هو الاحتلال أو الاستبداد أو الفساد، بل المرأة التي تخلع الحجاب!
أو الناشط الذي يكتب عن الحرية!
أو الشاب الذي غيّر لهجته الدينية!
صار الغباء يُوجّه كل طاقة القهر نحو الداخل، فيتحوّل المجتمع إلى قنبلة تُفجّر نفسها بنفسها، باسم “الغيرة على الدين”!
- الغباء كآلية دفاع: حماية من القلق الوجودي!
في المجتمعات التي تُحرِّم الأسئلة، يصبح الغباء خيارًا لا شعوريًا للهروب من الألم!
فالطفل الذي يُولد في بيئة تجرّم الشك وتُعاقب التفكير، يتعلّم أن “لا يعرف” أفضل من أن “يعرف ثم يُعذّب”!
كلما حاول أن يسأل عن معنى الصلاة، عن عدل الله، عن قسوة الموت… صفعه الكبار بجُمل مثل: “حرام!”، “إياك تشكك!”، “اسكت، هيك ربّك بدّو!”
فيكبر وهو يُخزّن أسئلته في قبو مظلم من اللاوعي، وبدل أن يُواجه تناقضاته، يبني لها جدراناً من الطقوس!
في علم النفس، يُطلق على هذا النوع من التكيّف اسم “الإنكار الدفاعي”، حيث يفضّل الفرد أن يعيش في الوهم المريح بدل الحقيقة المؤلمة.
ومع مرور الوقت، يتحوّل هذا الإنكار إلى ما يُشبه الإدمان الجمعي: نُكرّر ذات الأوهام لأنها تُشعرنا بالأمان… حتى لو كانت تقتلنا!
- الغباء كهوية جمعية: “نحن أفضل، لأننا لا نفكّر!”
في مجتمعاتنا، ليس الجاهل هو المهمَّش… بل المفكّر!
والحالة الأخطر ليست في الجهل، بل في الاحتفاء به كفضيلة!
يُعلَّم الفرد المسلم أن النية أهم من الفعل، والسمع والطاعة أهم من النقد والتفكير، والاتّباع هو الصراط المستقيم!
هذه المنظومة تُنتج نوعاً من التديّن الطفولي:
تديّن يُشبه علاقة طفل بأب قاسٍ، يخافه أكثر مما يحبه، ويركض لإرضائه لا لفهمه!
وباسم هذا التدين، يُلغى العقل، وتُحقَن الهوية بعقيدة “نحن الأصح دائماً”، مما يغلق الباب أمام أي مراجعة أو تطوّر!
وهكذا، يتحوّل الغباء من خلل إلى فضيلة، ومن مرض إلى مكوّن ثقافي، ومن مأزق إلى معيار للانتماء!
- الأثر النفسي: أمة مكتئبة تخاف أن تُشفى!
ما لا يُقال في الإعلام: أن هذه المجتمعات تعاني من اكتئاب جماعي مقنّع!
الشعور المستمر بالعجز، الإحباط المزمن، العنف المنزلي، الخوف من الحاضر والمستقبل… كلها أعراض لحالة نفسية مترسّبة بفعل التناقض بين ما يُقال وما يُعاش!
فأنت تقول إنك خير أمة، لكنك تحت خط الفقر!
تؤمن أن الإسلام هو الحل، لكنك لا تجرؤ على حل أبسط خلاف بدون عنف أو دم!
تعتقد أن الله معك، لكنك تكتشف أن كل ما تفعله لا يُغير واقعك، بل يُعيد إنتاجه!
هذا الانفصام يولّد أمراضًا نفسية مزمنة: القلق، الوسواس، جلد الذات، أو تعويض ذلك كله بالنرجسية الدينية!
فيقول الفرد لنفسه: “نحن على حقّ، والبشرية كلها على باطل!”
وهكذا، ينقذ نفسه من الانهيار، مقابل أن يبيع عقله لمن يمنحه الطمأنينة الكاذبة!
في النهاية، الغباء في مجتمعاتنا ليس مجرّد خلل وظيفي في العقل، بل هو وسيلة دفاعية ضد الحقيقة المرعبة التي لا يريد أحد أن يراها:
أننا ضائعون، خائفون، متناقضون، نعيش على هامش الحياة وندّعي أننا قادتها!
لقد تحوّلت الطقوس إلى بديل عن الوعي، والفتاوى إلى أقفال على العقل، والدعاء إلى مخدّر جماعي ضد مواجهة السؤال الجوهري:
“لماذا نحن هنا؟ ولماذا لا نتحرّك؟!”
إنها المفارقة الأشد إيلامًا:
أن يركع الإنسان لله خمس مرات يوميًا، دون أن يركع مرة واحدة أمام الحقيقة!
أن يقرأ القرآن ألف مرة، ولا يجرؤ على قراءة ذاته ولو مرة!
أن يخاف من نار الآخرة، ولا يهتزّ أمام جحيم الواقع!
الغباء الجمعي ليس فقط كارثة فكرية…
بل هو انتحار بطيء لأمة كانت تملك كل أدوات النهوض، فاختارت السجود للعجز!
والمأساة الأكبر أن هذا الانتحار يتم تحت شعار “الإسلام هو الحل”، بينما المشكلة الحقيقية تكمن في ما فعله الناس بالإسلام، وما فعله الإسلام بالناس!
فهل تجرؤ على رفع صوتك في تلك الحقائق؟!