
نكتب لا لنواسي أحدًا، بل لنُدين الجميع!
نكتب لا لأن في الكتابة خلاصًا، بل لأن الصمت صار خيانة!
نكتب لأن هذا الوطن لا يُحتمل! لا يُعاش! لا يُفهم إلا ككذبة كبرى أُحكم إتقانها منذ قرون!
أيها السادة، لسنا بخير!
وهذا ليس وطنًا… هذه مقصلة جماعية!
هذه ساحة إعدام مفتوحة، معلّقة في السماء، تُذبح فيها الأرواح على إيقاع الأناشيد الوطنية!
هذه جثة يتكاثر عليها الذباب، ويُطلب منا أن نبتسم لها لأنها “تاريخ عريق”!
نحن لا نكتب عن القهر كحالة نفسية، بل كهوية مفروضة!
لقد وُلدنا تحت سطوة القهر، كبرنا على ركبه، أكلنا خبزه، ونشأنا على طقوسه!
القهر هنا ليس حالة عابرة، بل نظام حكم، جهاز تنفّس، دين غير معلن!
كل ما هو إنساني فينا، كل ما هو جميل، تم ذبحه باسم الأمن، وباسم الوطن، وباسم العروبة، وباسم الله، وباسم الزفت!
حتى الألم لم يُترك لنا بكرامة! حتى الحزن صار مراقبًا، حتى الموت صار انتقائيًا!
نحن لا نُقهر من أجل مدينة، ولا من أجل مبنى، ولا من أجل أسواق مسقوفة تبيع الحنين للمغفلين!
نحن نُقهر لأننا نُقتل بلا سبب!
نُقهر لأن الشوارع تعرف أصوات الرصاص أكثر من أصوات العشاق!
نُقهر لأن الدولة تُدار بعقلية مراهق انتقامي، لا يريد إلا أن يرى الجميع يركع!
من قال إننا نحب دمشق؟!
دمشق اليوم ليست إلا كذبة مشوّهة، ميتة، خالية من كل معنى!
دمشق اليوم هي رئة اصطناعية لسلطة تخاف أن تموت، ومدينة تعيش على فتات المديح والدم!
وأنتم تتحدثون عن “سوريا التاريخ والحضارة”، عن “قاسيون”!
كفّوا عن هذا الهُراء!
سوريا اليوم ليست إلا مشروع جريمة مستمر!
مشروع دفن، لا مشروع حياة!
وهذه ليست مبالغة… هذه وقائع، نعيشها كأنها قدر، وكأنها طبيعي أن يولد طفل في حيّ مهدّم، ويتعلّم كيف يحقد قبل أن يتعلّم كيف يحلم!
لقد صارت البلاد حقلًا لتجارب السادية:
من يصرخ أكثر؟! من يُعذّب أكثر؟! من يسرق أكثر؟! من يخون أعمق؟!
صار المجرمون نخبًا، والفاسدون قدوة، والمثقفون صامتين بحجج فلسفية واهية!
صار الصراخ نفسه خيانة، والبكاء مؤامرة، والشغف جريمة تستحق التحقيق!
هذا ليس وطنًا… هذا مشروع ابتزاز مستمر!
إما أن تصفق، أو تختفِ!
إما أن تصمت، أو تذوب!
إما أن تتكلم لغتهم، أو تُقطع لسانك!
أيها القادمون من آخر حفرة في التاريخ:
لا تنتظروا منا أن نمدح الخراب!
لا تنتظروا أن نكتب قصائد في حبّ وطن لم يحبّنا!
وطن خاننا كما لم تخننا امرأة!
وطن تفنّن في تحويل أمهاتنا إلى نائحات، وآبائنا إلى عبيد، وأحلامنا إلى تراب!
نحن أبناء الخيبة، أبناء المجازر، أبناء الحقيقة المجروحة!
نحن الذين رأينا الشمس تُطفأ عمدًا، والحق يُذبح باسم “المصلحة العامة”، والحرية تُربط إلى كرسي مكسور في أحد الأقبية!
نحن لا نطالب باسترجاع الوطن… بل نطالب بأن يُحاكم!
أن يُسجن هذا الوطن الذي صار قاتلًا محترفًا، متلبّسًا بالعلم، والنشيد، وشعارات الدم!
أن يُعرّى هذا الوطن أمام العالم، ليُقال: هنا تُصنّع الآلهة الكاذبة، والجنرالات، والجحيم!
هذا ليس تحليلاً سياسياً!
ليس مقالاً لفلسفة أو تاريخ!
هذه صفعة!
صفعة في وجه كل من تواطأ، سكت، تكيّف، هاجر ثم صمت!
صفعة في وجه القتلة، والطائفيين، والمثقفين الوقحين الذين زينوا مذابحنا بالنصوص!
نحن لا نريد وطنًا أجمل، بل وطنًا عادلًا!
نحن لا نحلم بسوريا الحنين، بل بسوريا الإنسان!
سوريا بلا استبداد، بلا آل، بلا مظلات دينية، بلا عروبة مزيفة، بلا شهداء تُصفّق لهم الشاشات وهم تحت التراب!
هذا بيان من قلب الحريق!
هذا مقال كُتب بالنار لا بالحبر!
هذا نحن، كما لم نُكتب من قبل!
وسنظل نكتب… حتى تُطفأ هذه المقصلة! أو تنكسر!