
في بلاد العجائب المسماة زوراً “سوريا”، لا تحتاج إلى مظلّة ثقافية ولا إلى سترة نجاة فكرية… تحتاج فقط إلى أذنين تتحملان صراخ الحمير، وعيون لا تخجل من رؤية قطيع يحتفل بسقوط ممثلة فوق الوحل!
هنا، يقف الشعب صفوفاً مرصوصة، لا لاقتلاع طاغية ولا لاستعادة كرامة مسروقة… بل ليشتموا فنانة هابطة أو ليصفقوا لفنان قذر!
وكأننا عبرنا جسر الحضارة، ووصلنا إلى سنغافورة الشرق، ولم يبقَ إلا أن نحل مشكلة “اللوك” الجديد لمهرجي المهرجانات كي ندخل التاريخ من أوسع مزابله!
تسأل: أين التفاعل مع الوعي؟!
تسأل: لماذا تموت الحقيقة بلا عزاء؟!
آه يا ساذج!
لأنهم ببساطة يكرهونها!
الثقافة بالنسبة لهم ثقيلة على القلب!
المعرفة تفضح جهلهم، فتؤلمهم، فيكرهونها غريزياً!
أما السخافات؟ فهي وطنهم الروحي!
هي المخدّر الذي يحميهم من رؤية واقعهم المزري!
وعندما تطرح تلك الأسئلة،
كأنك تطلب من بقرة أن تلقي محاضرة في الفلسفة!
كأنك تطلب من دودة أن تفهم معنى النجوم!
الشعب الذي يترك صفحات الفكر خاوية، ويغزو صفحات التفاهة كجراد مسعور، لا يستحق وطناً…
بل يستحق مزبلة، ومُشرفاً على المزبلة، ورئيساً من نوعية “الأسد الجولاني”!
نعم، الوطن ليس تراباً وحجارة… الوطن هو الإنسان!
والوطن اليوم انعكاس لهذه السفالة المنتشرة كالوباء!
الساحة تعج بالشتّامين، بالحاقدين، بالمتسلقين، بأطفال الإعلام الذين يتعاركون فوق جثث وطن ميت أصلاً!
لا تتعب نفسك… في وطن كهذا، العاقل هو الخطيئة!
المثقف هو العار!
والتافه هو بطل الجماهير!
سوريا يا سادة، تحولت إلى نسخة رخيصة من سيرك متهالك، يصفق فيه الجمهور للبهلوان، ويبكي إذا سقط المهرّج!
أما من يسأل عن الحقيقة، عن الثقافة، عن المعرفة…
فهو مجرد “تافه” مثلي ومثلك!
نحن الأقلية، ونحن الغلطة الوحيدة في هذا المشهد المنحط!
أما عن الفن…؟! يا للعار!
“الفن” اليوم في سوريا نسخة رديئة عن “مسابقات الغباء الجماعي”، لا ينجح فيه إلا من زحف على ركبتيه إلى مكاتب المخابرات، أو باع ضميره في سوق الجواري الحديث!
أي فن تتحدثون عنه؟!
هل تتحدثون عن المسلسلات المموّلة من المخابرات؟!
أم عن المهرجانات التي تشتم الفقراء وتبوس أقدام الجلادين؟!
كل فنان اليوم خائن…
خائن لفنه، خائن لشعبه، خائن حتى لاسمه!
لو كانت هنالك محكمة أخلاقية حقيقية، لاصطفّ نصف الوسط الفني السوري على أعواد المشانق!
وأما الشامتون اليوم بفنانة ساقطة… فهم ساقطون أصلاً!
يضربون بعضهم تحت الحزام القذر، ظنّاً منهم أنهم ينتقمون لكرامة، في حين أن كرامتهم مدفونة تحت أقدام نظام قديم وحديث قذر يشرب دماءهم كل يوم!
أيها السادة:
لا وطن حيث يكون الجهل ديانة!
ولا كرامة حيث تكون الشتيمة نشيداً وطنياً!
ولا نهضة في مجتمع يفرح إذا سقطت ممثلة، ولا يبالي إذا سقطت بلاده كلها!
مبروك لكم وطن التفاهة!
ومبروك للتفاهة أنكم صفقتم لها حتى الموت!