
وأنا أقرأ ردود بعض الموتورين تذكرت ما قاله سقراط: “إذا ركلني حمار، هل أقاضيه؟ هل أشتكي عليه؟ هل أركله؟”
قد تبدو العبارة للوهلة الأولى نكتة ساخرة، لكنها في عمقها قنبلة فلسفية تنسف وهم “الردّ على كل شيء”، وتكشف عن جوهر الحكمة في عصر بات فيه الضجيج هو السائد!
في زمن التواصل الدائم، باتت الكلمة الرخيصة أرخص من أي وقت مضى! الجميع يصرخ، الكل يعلّق، القليل فقط يفكر! تجد نفسك وسط سيل من الآراء والانفعالات والمواقف، وتظن أحيانًا أنك مجبر على الرد، على الدفاع، على التوضيح! لكن مهلاً… من قال إني مدين للجاهل بإجابة؟!
ليست كل معركة شرفًا، وليست كل ساحة مواجهة تستحق الحضور!
الصراخ ليس علامة قوة، بل علامة انكسار داخلي يبحث عن صوت خارجي!
والإهانة لا تدل على نُضج، بل على عجز في الحجة وركاكة في الوعي!
والجدال لا يعني دومًا وجود رأي، فقد يكون مجرد محاولة لفرض التفاهة كواقع يجب أن تُقنع به!
الحكيم لا ينزل إلى مستوى الجهل ليقنع أحدًا بعقله!
هو يعرف أن بعض الردود تمنح التفاهة شرعية لم تكن تملكها!
ويفهم أن الانحدار في مهاترات لا تنتهي هو خسارة مجانبة للكرامة والوقت معًا!
قال جبران خليل جبران ذات مرة: “ويل لأمة تلبس مما لا تنسج، وتأكل مما لا تزرع، وتشرب مما لا تعصر!”
وأنا أقول: ويلٌ لروح تُثقلها الكلمات الفارغة، وتحنيها المعارك الصغيرة، وتلهيها الردود السخيفة عن مواجهة المعركة الأهم: مع الذات!
الذكاء لا يُقاس بعدد الردود التافهة المليئة بالمهاترات، بل بعدد المرات التي ارتقيت فيها فوق الغضب!
والقوة لا تُقاس بعدد المعارك التي خضتها، بل بعدد المعارك التي تجاهلتها لأنك أكبر منها!
اصمت حين يكون الصمت موقفًا لا هروبًا!
تجاهل حين يكون التجاهل انتصارًا للنفس لا تجاهلًا للكرامة!
ابتسم حين يحاولون جرك إلى الوحل، لأنهم سيتسخون وحدهم!
من اعتاد النور، لا يلهث خلف الظلال!
ومن عرف قدر نفسه، لا يركع لصوت الحشود!
اختر معاركك بعناية… فبعضها مصيدة، لا بطولة!
—————
على الهامش:
ألا يخجل البعض من الدخول في نقاش حول شيء لم يبحث عنه ولا مرة في حياته، وكل ما يعرفه هو فقط قال عن قيل وكلها موروثات بعضها حديث وبعضها قديم؟!
ألا يشعرون بالذنب عندما يقحمون أنفسهم بما لا يفهمون؟!
ألا يقول ربكم الشفاف:
هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟!