
في لحظة عبثية لا تليق إلا بمسرحيات الاستبداد، وقف السلطان بقوسه، أطلق السهم على غزال، فأخطأه!
الغزال قفز وركض كأي مخلوق حيّ مذعور!
لكن أحد عبيده لم يتردد في أن يصفق ويقول بانتصار: “مولاي، هذه أول مرة نرى فيها غزالًا ميتًا يركض!”
ومن هنا، من هذه الجملة الملعونة، بدأ عهد التطبيل!
ليس التطبيل بالمعنى البريء للتشجيع، بل التطبيل كممارسة للانبطاح، كفنّ وقح لتجميل السقوط، وكآلية خسيسة لإنتاج الزيف!
ذاك اليوم لم يخطئ السلطان في الصيد فقط… لقد أخطأ في القتل، أخطأ في الحكم، أخطأ في كل شيء، لكنهم أقنعوه أنه عبقري!
ولم يكن الغزال هو الضحية، بل الحقيقة نفسها!
منذ ذلك اليوم، لم يعد الحاكم يُحاسب على النتائج، بل يُمدح على النوايا!
لم يعد مطلوبًا منه أن يُصيب، بل أن يطلق فقط، وسيأتي ألف مهرّج ليحولوا سهمه الطائش إلى معجزة عسكرية، وموقفه المرتبك إلى حكمة نبوية!
لقد تحوّلت البلاد إلى مسرح قسري، تفرض فيه الأكاذيب كأناشيد وطنية!
كل شيء قابل للتزييف: التاريخ، الاقتصاد، النصر، الهزيمة، وحتى الموت نفسه!
فالغزالة تركض، لكنها – بحسب البلاط – ميتة!
والشعب يئن، لكنه – بحسب الإعلام – سعيد!
والخزينة فارغة، لكنها – حسب التقارير – تزدهر!
والبلاد تغرق، لكن الصورة الرسمية تُظهر الشاطئ ممتلئًا بالسياح والمستثمرين!
في عهد التطبيل، لا يُكافأ الصادق، بل يُشنق على مرأى من الجميع!
الجبان يُرقّى، والكاذب يُحتفى به، والمهرج يُمنح منصبًا وطنيًا!
والأخطر؟ أن الناس مع الوقت يعتادون هذا العهر!
يصبح الصوت العالي أهم من العقل، والشعارات أهم من السياسات، والولاء أهم من الحقيقة!
لكن لا تنخدع!
في لحظة ما، ستتوقف الغزالة عن الركض!
وستتكشف الجثة!
وسيُقال عندها: من الذي تجرّأ على قول الحقيقة يوم كان الجميع يصفق للكذبة؟!
سيكون كثيرون قد ماتوا، أو سكتوا، أو شاركوا في الجريمة بصمتهم!
فلا تقل إن التطبيل ظاهرة تافهة!
إنه إعلان حرب على العقل، واغتيال ممنهج للحقيقة، ومؤشر على أن السلطة لم تعد ترى شعبها منذ زمن بعيد إلا كقطيع من الغزلان الميتة!
وإذا ركضت المرة القادمة، فلن يسألك أحد: هل أصبت الهدف؟!
بل سيسألونك: كم مهرجًا وظفت لتكتب بيان النصر؟!
كم من الأوباش أصبناهم في سهام كلماتنا الآن؟!