
سياسة إشغال الناس بالتفاهات: حين تتحول الكارثة إلى “إعجاب” و”حب”!
بين الإلهاء والاستقطاب العاطفي في زمن الخراب السوري!
في أزمنة الانهيار، حين تسود الفوضى، وتغيب الحلول، ويُغتال الأمل، تلجأ الأنظمة ومراكز النفوذ إلى أدوات جديدة لإدارة الشعوب!
لم تعد الرقابة الصلبة ولا القمع المباشر الوسيلة الوحيدة للسيطرة، بل ظهر سلاح أشد خطورة: تفريغ العقول من القضايا الكبرى، وملئها بالتفاهات المنظمة!
ولعل أبرز تجليات هذا النهج ما نراه يومياً على وسائل التواصل الاجتماعي من منشورات مشوهة، اختزالية، لا تهدف إلا إلى إشغال الناس عن التفكير، والتنظيم، والتحرّك!
منشورات مثل تلك التي تقارن بين شخصيتين مجرمتين مثيرتين للجدل، بشار الأسد والجولاني، والتي تطلب من الجمهور أن “يصوّت” لمن يفضّل: بإعجاب لهذا، أو قلب حب لذاك!
للوهلة الأولى، قد يراها البعض مجرد نكتة سياسية عابرة، أو شكلاً من التهكم الشعبي، لكنها في عمقها تعكس نهجًا خطيرًا في صناعة الرأي العام وتفتيت الوعي السياسي!
من التسلية إلى التفكيك: كيف تُبنى التفاهة؟!
تقوم مثل هذه المنشورات على ثلاث ركائز نفسية وإعلامية:
- الاختزال المضلل: يتم إفراغ الصراعات المعقّدة من سياقها، واختزالها في ثنائيات سطحية: مع أو ضد، هذا أم ذاك، “أعجبني” أم “أحببته”. تختفي الأسئلة الجوهرية: من يمثل من؟! ماذا قدّم؟! وما مشروعه؟! ويحل محلها تصويت عاطفي لا يُنتج معرفة، ولا يقود إلى فعل!
- الاستقطاب العاطفي الفوري: تُبنى المنشورات لتُثير تفاعلًا سريعًا: غضبًا، سخرية، أو تأييدًا! هذا النوع من الخطاب يمنع التفكير، ويُقصي المساحة الرمادية، ويمنعنا من رؤية الصورة الكاملة. يتحول كل شيء إلى صراع هوية لا حوار عقل!
- إلهاء جماعي منظّم: ما بين تكرار المحتوى، وطبيعته الاستهلاكية، يصبح التفاعل هو الغاية، لا الفهم أو التغيير. وهكذا يُستهلك وعي الناس في مناقشات لا تقدم ولا تؤخر، بينما تمر السياسات المصيرية في الظل بلا رقابة، ولا مساءلة، ولا مشروع مضاد!
تأثير هذا النهج على الحراك الشعبي
حين يُغرق الوعي الجمعي في جدالات تافهة، تتراجع القضايا الكبرى إلى الخلفية!
لا حديث عن العدالة الانتقالية، ولا عن المحاسبة، ولا عن إعادة الإعمار أو الحقوق!
يُستبدل خطاب التغيير بخطاب “التسلية السياسية”، ويُستبدل المشروع الوطني بمنافسة بين وجوه متنازعة على الشرعية!
حتى المعارضة، بدل أن تُنتج بدائل حقيقية، قد تقع أحيانًا في فخ “الرد على التفاهة بتفاهة مضادة”، مما يكرّس الفراغ بدل ملئه!
لمصلحة من يُصنَع هذا الوعي المشوَّه؟!
قد يكون صانع المحتوى مجرد فرد ساخر، أو ناشط محدود الأثر، لكن انتشار هذا النمط ليس عفويًا!
إنه يخدم بيئة سياسية تريد:
• تدمير الثقة بين الناس والنخب!
• تكريس اليأس من وجود بديل وطني!
• تشتيت الحركات الاجتماعية بين معسكرات متصارعة!
• تلميع صور مأزومة عبر مقارنات ساذجة!
كلما زاد تفاعل الجمهور مع هذا المحتوى، تراجعت فرص بناء خطاب ناضج، جامع، يعيد للسوريين قدرتهم على التفكير ببلدهم كمستقبل، لا كمأساة!
كيف نواجه هذه الظاهرة؟
- الوعي باللعبة: علينا ألا نأخذ هذه المنشورات ببراءتها الظاهرية. كل صورة، كل تعليق، هو جزء من حرب على الوعي!
- إعادة توجيه النقاش: بدلاً من الخوض في المقارنات الشخصية، يجب نقل النقاش إلى الأسئلة المحورية: من يقدم مشروع دولة؟ من يملك رؤية للعدالة؟ من يحترم إنسانية السوريين؟!
- دعم المحتوى البديل: تشجيع الأصوات التي تطرح خطابًا عميقًا، ناقدًا، جامعًا، لا شعبويًا ولا طائفيًا!
- تربية الجيل الجديد على التفكير النقدي: وهذا دور يقع على المثقفين والمعلمين والمنصات الإعلامية الحرة!
الخاتمة: أي سوريا نريد؟!
في النهاية، ليست المشكلة في صورة أو منشور، بل في بيئة ثقافية كاملة تُغذّي التسطّح، وتُعاقب التفكير العميق. بين الديكتاتور والعسكري المعارض، بين “الشرعيات” المتهالكة، هناك شعب لا يزال يبحث عن كرامته، عن مستقبله، عن وطن لا يكون فيه مضطرًا لاختيار “الأقل ضررًا”!
نريد سوريا لا يُختزل مستقبلها في ردود الفعل الإلكترونية، بل تُبنى بإرادة جماعية، مشروع وطني، ووعي لا يُشغَل بالتفاهات، بل يصنع التاريخ!