
في سوريا، ليس التشبيح موقفًا! بل نمط حياة!
ليس وظيفة، بل اضطراب نفسي يتوارثه البعض كالعقد الجيني!
تسقط الأنظمة، تتغيّر الرايات، تتحول المربعات الأمنية إلى غرف بثّ مباشر، لكن “الشبيح” يبقى!
فقط يبدّل زيه، شعاراته، وأحيانًا دينه ومذهبه، لكن جوهره ثابت: عبد للسلطة، ومخلص لكل ما يُشعره بأنه أقوى من الآخر!
اليوم، نعيش النسخة الثانية من هذا الكائن السوري الغريب:
شبيحة سابقون، وضاربات ولاء أفقي – حرفيًا – مع ضباط النظام السابق، صاروا فجأة حراس الثورة وعرابي التحرير!
يدافعون باستماتة عن كل شيء:
عن الجهاديين،
عن قتل المدنيين،
عن وجود أجانب مسلحين،
عن الانتهاكات،
عن القمع،
عن الغدر،
حتى عن ما لا يستطع النظام الجديد نفسه تبريره!
والسبب؟!
لأنهم لا يستطيعون الحياة خارج عباءة التشبيح!
فهم مرضى، مصابون بأعراض انسحاب إذا لم يكونوا جزءًا من منظومة يلعقون من حذائها شيئًا من السلطة أو الوجاهة أو المال أو الشهرة!
التشبيح بوصفه اضطرابًا نفسيًا!
من منظور علم النفس، هذه الفئة تعاني من مزيج معقد من الإنكار، والإسقاط، والتبرير الأخلاقي!
هم لا يستطيعون مواجهة ماضيهم القذر، فيغرقون في الدفاع عنه بوجه جديد!
هم لا يحتملون فكرة أنهم كانوا أدوات رخيصة في خدمة منظومة قمعية، فيحاولون إعادة إنتاج نفس الدور، لكن بلون جديد… بثياب الثورة، أو بمسبحة في اليد، أو بكاميرا بث على “اللايف”!
المسألة ليست فقط دفاعًا عن الجولاني أو غيره،
بل دفاع عن الذات؛ عن الهوية القديمة التي لم يتخلّصوا منها، عن النرجسية التي لا تُشفى، وعن العطالة النفسية التي لا تتحمّل حياة عادية بلا أضواء أو أتباع أو صراخ في وجه “العملاء”!
التبرير المقارن: منطق الطالب الراسب والمجرم الجماعي!
عندما تُحاصرهم بالمنطق، يرمونك بمقارنات عبثية:
“الأوروبيين كان عندهم أجانب في الحرب العالمية!”
“النظام السابق كان يقتل وينهب، فلناذا لا نعمل مثله؟!”
“العلويين ذبحونا، نذبحهم نحن اليوم!”
هذا ليس تحليلًا سياسيًا، ولا طرحًا عسكريًا، بل منطق الفشل المفضوح!
منطق الطالب الراسب الذي يفرح لأن غيره رسب،
ومنطق المجرم الذي يريد تبرئة نفسه لأن أحدًا ارتكب الجريمة قبله!
ببساطة، يريدون تحويل مفهوم الثورة من مشروع للعدالة، إلى حظيرة جديدة للتشبيح!
فقط اختلف لون السوط، واسم الجلاد!
شهوة السلطة أعمق من الولاء!
الشبيح لا يؤمن بشيء… لا وطن، ولا عقيدة، ولا ثورة!
يؤمن فقط بشيء واحد: السلطة!
أن يكون فوقك، وأن يخيفك، أن يُصفّق له القطيع، ولو على جثتك!
فإذا غابت المخابرات، وجد بديلها في الشرعي!
وإذا سقط ألف أسد، أقام لنفسه أسدًا جديدًا من كرتون!
المضحك أن كثيرًا منهم يبررون العهر باسم الثورة!
يجمّلون الدم بالكلمات، والخيانة بالمقارنة، ثم ينظرون إليك بنظرة المنتصر…
مع أنهم غارقون في ذاك المستنقع، لكنهم رسموا حوله جدارية كتبوا عليها “تحرير”!
النهاية: لا ثورة حقيقية دون اجتثاث التشبيح كخطوة البداية!
الثورة التي لا تُطهّر نفسها من شبيحة الأمس، ستتحوّل إلى امتداد لنفس الجريمة، بل بأسوأ شكل ممكن:
أن ترتكب القتل باسم الحرية، وأن تمارس القمع باسم الكرامة، وأن تُبرر الاستبداد باسم الدين أو الثورة أو التاريخ!
الشبيحة – كل الشبيحة – لا مكان لهم في مشروع تحرير حقيقي، لأنهم لا يسعون للحرية…
بل فقط، إلى كُرسي؛
إلى كاميرا؛
إلى سلطة، مهما كانت رايتها!
ولهذا، الثورة الحقيقية تبدأ من هنا: اجتثاثهم، كأفكار، كأصوات، وكأمراض!
نهاية الحكاية: الهاوية النفسية المقنّعة بشعار الثورة!
النتيجة؟!
تحوّلت الثورة عند هؤلاء إلى مظلّة يختبئون تحتها، لا ليبكوا على وطنٍ مهدور، بل ليحموا ذواتهم المتشققة، ويتفادوا مواجهة أنفسهم!
إنهم لا يريدون العدالة… بل النسيان!
ولا يبحثون عن الحرية… بل نظامًا جديدًا يُعيد لهم الدور نفسه بلباس مختلف!
لكن الزمن تغيّر!
وما لم يفهموه بعد هو أن الثورة التي لا تنظّف نفسها من شبيحة الأمس، ستظلُّ عرضة لاختطافهم…
مرة بعد مرة… حتى تتحوّل كلها إلى مسرح جديد للتشبيح،
لكن بجمهورٍ أقل، ووجوهٍ أكثر نفاقًا!