اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

سباق المآسي!

0
سباق المآسي!

أخبرني جاري “الجديد” بأنه يعاني “البواسير”؛
بلهجة عتاب عن عدم زيارته والتعاطف معه، لم أجد رداً عليه سوى:
أين كنت أنت عندما كانت “بواسيري” تؤلمني؟!

وهكذا شعرت بالانتصار وزالت مشاعر الذنب عني بكل بساطة!
فتبدلت الأدوار من ظالم لم أتعاطف معه، لمظلوم لم يتعاطف معي هو، بالرغم من أنه كان صغيراً عندما عانيت من “بواسيري” ولم أكن أعرفه أصلاً!
—————
شبعت ضحك على المثال؟!

هذا تماماً ما يحدث بسوريا عند جماعة “أين كنتم؟” الموجهة للمتعاطفين مع المجازر التي حدثت في الساحل السوري للعلويين وغيرهم!

وفي علم النفس هو مثال كلاسيكي على “الإزاحة الدفاعية” (Defensive Displacement) مع لمسة من “آلية التبرير الأخلاقي” (Moral Justification)، لكن من زاوية أعمق، يمكن تصنيفه ضمن:

“نظرية العدالة التعويضية الذاتية” أو Self-Serving Moral Balancing

وهي حالة نفسية يحاول فيها الفرد استعادة توازنه الأخلاقي الداخلي، عبر تبرير تقصيره أو شعوره بالذنب من خلال إظهار أن الطرف الآخر أيضاً أخطأ أو قصر في موقف سابق (أو حتى مفترض).

وبصيغة شعبية أو وجدانية أكثر:
هي آلية دفاعية اسمها “عكس الدور” أو “قلب الطاولة” (Role Reversal Defense Mechanism)
بحيث بدل أن تعترف بالتقصير أو تعيش الشعور بالذنب، تقلب السياق: “أنا المظلوم، مش هو”، حتى لو كان المنطق أو التوقيت غير منطقيين تماماً (مثل إنه كان طفل، أو ما بيعرفك وقتها)!

في العمق، هذا الشيء يعطي شعوراً بالراحة اللحظية ويحرر من مشاعر الذنب! لكنه لا يغير الواقع الفعلي، فقط “يعدل الصورة الذاتية” لنفسك!

بات الجميع يعلم بأن ما حدث في سوريا خلال الثلاث أشهر الماضية، هو مجرد عملية تبديل للأدوار بحرفيّة تامة مع زيادة الزخم الديني!
لا أكثر ولا أقل!

عندما نكتب عما يحدث بسوريا من قتل ومجازر ترتقي للإبادة الجماعية، يأتينا الحمقى الذين استيقظوا ذات يوم ووجدوا أن أحدهم من نفس طائفته أصبح “المنتصر”؛
وبدون أدنى وعي لِما حدث خلال الحرب وتفاصيلها الكثيرة، بدأوا بترديد كلمات غيرهم حتى باتت “ترينداً” أين كنتم، ومليار شهيد ومظلومية سنية.. الخ!
يفترض بشكل تلقائي أنك من أتباع النظام السابق، بدون أن يعذّب نفسه ويقرأ لك! لا تنسى أنك تتعامل مع أمة لا تقرأ، بل أمة تظن أن مياة الصنبور في المطبخ أنظف من مياة صنبور المرحاض!

تقف حائراً كيف ترد عليه؟!
فتقول له يا بني، عندما كنت أعارض الأسد ونفضحه دولياً، كنت أنت وأمثالك لم يولدوا بعد، أو بأحسن الأحوال كنت طفلاً تركض باحثاً عن طريقة للوصول إلى ألمانيا، وهمك الوحيد هو “كم هو الراتب في ألمانيا”؟! (السؤال الأكثر انتشاراً في العالم وأسياده السوريين)!
وكان والدك أصلاً يشبّح علينا دفاعاً عن النظام السابق، الذي تتهمه بأنه علوي، رغم أن عصابة بشار ومن قبله حافظ، كانوا بغالبيتهم سنّة من طائفتك!

ليست هنا السخرية!
بل تجدهم يكتبون ذلك عند بعض الشبان والشابات الذين لم يتجاوزوا العشرين من عمرهم!
فكيف تحكم عليهم بعدم التعاطف مع ضحايا السنّة وهم كانوا أصلاً أطفالاً؟!
بل تفاجأت مؤخراً أن أغلب السوريين من الطرفين لم يكونوا على علم بالإجرام الأسدي بأيدي ميليشيات إيران، ولم يكونوا على علم بنفس الإجرام عند الطرف الآخر بأيدي النصرة وداعش وطالبان وبقية عصابات تركيا الإجرامية!
مما يعني أن السوري في الداخل آخر عشر سنوات لم يكن على علم بأي شيء في العالم سوى موعد الرسالة التي تأتيه ليستلم كيلو السكر بالبطاقة “الذكية”!
والسوري في الخارج لم يكن على علم بشيء في العالم سوى كم تدفع “ميركل” لهم مقابل الإنجاب لجيل طالباني جديد، والبقية كبّس وشيّر لحمقى التيكتوك من الراقصين والراقصات!

دعك مما سبق كله؛
هل تجوز أصلاً هذه الكلمة “أين كنتم”؟!

يا أخي فالنفترض أن شخصاً كان يؤيد الأسد، ولن أقول لك مجبراً، بل مخدوعاً كما كان والدك وجدك من قبلك!
سقط النظام وبانت جرائمه للعالم أجمع، تلك التي كان يخفيها، وبانت حقائق كان يغيرها ويخدع بها العالم قبل السوريين، بأن من يقصفهم هم كلهم دواعش إرهابيين يريدون قطع رؤوس كل السوريين!
(بإرهابك أو تأييدك للإرهاب، تثبت أن النظام كان محقاً في إدعاءه)!
فعلم الحقيقة وبات يشعر بالذنب لما حصل في بلده، ويأمل بأن يكون النظام الجديد عادلاً ومنصفاً للجميع!
بعيداً عن أساليب النظام المجرم السابق!
حصلت مجازر جديدة، فتعاطف معها؛
قيل لهم أنهم فلول، فلم يصدقوا هذا الكلام لأن أساليب النظام الحالي الذي يرونه بأم العين، لم يختلف عليهم بشيء!
فالسابق كان يكذب عليهم حتى في نشرة الأخبار! فكيف يصدقون النظام الجديد بأي شيء، وهو لم يختلف بشيء عن سابقه؟!
خاصة بوجود شبيحة لا يختلفون “بالولاك” أي شيء؟! مع نفس التهديد والوعيد والكراهية والحقد؟!

ثم هل يجوز تبرير ما يحصل اليوم بحجة أنه حصل لنا سابقاً نفس الشيء؟!
إذاً مالفائدة من الثورة والتخلص من العهد القديم، إن كنا سنفعل ما فعله سابقاً؟!

السؤال الجوهري: لماذا كلما طُرحت مأساة، نسارع إلى تبريرها أو مقارنتها بمأساة أخرى؟!
كأننا نحاول موازنة الأوجاع وكأن الألم يُقاس بحسابات دقيقة!

إذا كنت تتألم على من فقدتهم، وأنا أقدّر هذا الألم وأشعر به معك، فكيف يصبح من السهل التقليل من نفس المعاناة لمجرد أن الضحية تنتمي لطائفة مختلفة؟!

هل وصل بنا الأمر إلى أن نحدد من يستحق التعاطف بناءً على هويته الطائفية؟!
العدالة لا تكون عادلة إن كانت انتقائية، ولا يمكن أن يكون هناك مصالحة حقيقية ما لم نعترف بكل الجرائم، أيًّا كان مرتكبها، وأيًّا كان الضحية!

عزيزي السوري؛
الألم لا يسأل عن الطائفة!
وجعك وجعي، من أي بيت أتى!
وإن أردنا الخروج من هذا الجحيم، علينا أن نكفّ عن تكرار أسئلة “أين كنتم؟” و”من بدأ؟”، ونبدأ نسأل: كيف نمنع هذا من أن يحدث مرة أخرى؟!
وكيف نبني وطنًا لا يُوزّع فيه التعاطف حسب الهوية، بل حسب الإنسان؟!

على الهامش:
اعذروني فقد أخطأت عندما قلت بأن النظام الجديد لم يختلف عن سابقه بشيء، فحتى الآن “ماهر الشرع” لم يتسلم الفرقة الرابعة مثل “ماهر الأسد”!

اترك رد