
في أزمنة الانهيارات الكبرى، لا يخرج إلى السطح سوى ما تعفّن في القاع!
وهكذا، نجد أنفسنا اليوم أمام مشهد سوريالي تتعامل فيه بعض المجموعات من “الشبيحة” السابقين والحاليين، والمصفقين “المكوعين”، وكأن الوطن مزرعة أجدادهم التي ورثوها، لا مكان فيه لغيرهم، ولا حق فيه لمن يعترض على طعم الحليب الفاسد أو على رائحة العفن المتصاعد من زوايا الخراب!
هؤلاء لا يرون في الدولة أكثر من إقطاعية عائلية!
من يعارضهم أو يختلف معهم ليس خصمًا سياسيًا أو مواطنًا ذا رأي، بل دخيل على “أرضهم”، غريب عن “عاداتهم”، وناكر لـ”فضلهم”!
ولذلك، على كل من لا يرضى بالواقع المسموم أن يرحل ببساطة، دون أن يجرؤ حتى على التذمر!
هكذا تُدار الأمور في “جمهوريات الخوف”، حيث يتماهى النظام مع مجموعة من المستفيدين الذين باتوا يعتبرون الوظائف العامة والمؤسسات، والثروات وموارد الدولة، من حصتهم الشخصية!
مدارس، جامعات، مطارات، مؤسسات إعلامية، وحتى الأرصفة والشوارع… كلها باتت تحمل رائحة “الملكية” غير المعلنة لعوائل وأسماء وشبكات محسوبة على السلطة!
والأخطر من كل هذا هو التحول الفكري والنفسي الذي أصاب شريحة واسعة من الناس، حتى صار كثيرون يرددون خطاب “الطرد” للآخر المختلف، وكأن البلاد لا تحتمل إلا رأيًا واحدًا، وولاءً أعمى، ولونًا واحدًا من العيش والرؤية والحلم!
لا وطن يُبنى على هذا النحو!
ولا دولة تستقر إذا كانت جماعاتها الحاكمة تعتبر الشعب مجرد “قطيع”، والوطن مجرد “مزرعة”، والإرث مجرد غنيمة!
ما تحتاجه البلاد اليوم ليس المزيد من التوريث والاحتكار والتخوين، بل فتح المجال لكل من يحب هذه الأرض أن يسهم في بنائها، أن يختلف ويتكلم ويجادل ويشارك!
فالوطن ليس مزرعة، والسيادة ليست امتيازًا عائليًا، والكرامة لا تُجزَّأ ببطاقات الأمن والتقارير!
ربما آن الأوان أن يُقال لهؤلاء:
إذا كان الوطن بالنسبة لكم مزرعة، فأنتم أول من يجب أن يغادر!
لأن البلاد لا تُدار بالسياط، بل بالعقول!
ولا تُبنى بالولاء الأعمى، بل بالكفاءة والحوار والحرية!