اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية مقالات حين يصبح الذباب أئمة، والحكام آلهة!

حين يصبح الذباب أئمة، والحكام آلهة!

0
حين يصبح الذباب أئمة، والحكام آلهة!

في المدن التي لا يقرأ أهلها الكتب، يصبح فيها الذباب أئمة (جان دوست)!

بدلًا من أن يقود العلماء والمفكرون المجتمع، يعلو صوت التافهين، ويُقاد الناس بمنطق الجهل والخوف والتبعية العمياء!

ليس غريبًا إذن أن نجد أنظمةً تستبدل النخب الفكرية بالمهرجين، وتحلّي الأوهام بالأكاذيب، وتحاصر كل من يوقظ العقول كما لو كان خطرًا يهدد الأمن والاستقرار!

الفلاسفة وديكة الوعي!

لم تكن مشكلة “سقراط” مع مجتمعه أنه كان مفكرًا، بل لأنه كان “ديكًا يصيح” في مدينة اعتادت النوم في جهلٍ مطبق!

كانت أفكاره صادمة، أسئلته محرجة، وتحريضه على التفكير مزعجًا لأولئك الذين بنوا سلطتهم على طاعةٍ عمياء لا تسأل ولا تعترض!

حُوكم سقراط ليس لأنه أذنب، بل لأنه أيقظ العقول، وحكموا عليه بالموت كي لا يتجرأ غيره على الصياح في وجه الأصنام البشرية التي تلبس عباءة السلطة!

قال وهو يتجرع السّم: “ربما تستطيعون قتلي، لكنكم لن تقدروا على قتل الحقيقة!”

وهذا ما يؤكده الفيلسوف “نيتشه” حين كتب في هكذا تكلم زرادشت:

“لقد سخروا من صياحي لأني كنت أدعوهم إلى الحرية، والحرية تُخيف العبيد!”

بين الديك والدجاج: متلازمة العبودية الجماعية!

في حياتنا، يتداول الناس اسم الدجاج، ولا أحد يذكر الديك، لأن المجتمع الذي ينشغل بلقمته أكثر من وعيه، يسهل قيادته وترويضه!

يشبه حالهم حال الرعية في قصة كهف أفلاطون؛ أولئك الذين قُيّدوا في كهف مظلم منذ ولادتهم، لا يرون من العالم سوى ظلالٍ مشوهة على الجدران!

وحين تحرر أحدهم وخرج إلى النور، عاد يخبرهم أن العالم أوسع مما يعرفون، فضربوه بالحجارة وكادوا يقتلونه، لأنهم ألفوا العبودية لظلالٍ كاذبة، وكرهوا النور الذي يكشف الحقيقة!

حين يعتاد الناس على تلقي الأوامر بلا نقاش، يتحول الحكام إلى آلهة، وتصير كلماتهم نصوصًا مقدسة، لا تُرد ولا تُناقش، بل تُسبَّح بحمدها في كل صباح ومساء!

أفلاطون وديكتاتورية الجهل!

في الجمهورية، كتب أفلاطون عن مفهوم ديكتاتورية الجهل، حيث تتحول السلطة إلى إلهٍ يُعبد، وتُخنق الحقيقة في معابد الكذب!

وأما هوبز في الليفياثان، فقد وصف المجتمع المستسلم للاستبداد كوحشٍ عملاق يُطعم نفسه من خوف الناس وجهلهم، قائلاً: “الخوف والجهل هما الأبوان الشرعيان للطغيان!”

بين الثورة والتبعية: دروس من التاريخ!

التاريخ لا يرحم الساكتين عن الحق؛ حين اجتاح نابليون بونابرت أوروبا، كان يسحق الشعوب تحت أقدام جيشه، ومع ذلك، كان هناك من يصفق له، تمامًا كما صفقوا للطغاة من قبله!

لم يفهموا أن الحرية ليست في تغيير الأسماء والشعارات، بل في كسر الأصنام، مهما كانت قديمة ومقدسة في عيونهم!

تكرر المشهد في الثورة الفرنسية، عندما أطاح الشعب بـ لويس السادس عشر، لم يكن سقوط الملك هو النصر الحقيقي، بل سقوط فكرة “الحق الإلهي للحكام”، حين صرخ “فولتير”: “اسحقوا العار!”

لم يقصد شخصًا بعينه، بل كل فكرة تُعظّم الطغيان وتصمت على الاستبداد!

نهاية العبودية تبدأ من الفكر!

إن تحرير المجتمع من عبودية الحكام لا يكون بالثورات الدموية وحدها، بل يبدأ أولًا بتحرير العقول!

عندما يبدأ الناس في القراءة، في التساؤل، في رفض المسلّمات الزائفة، عندها فقط، يفقد الطغاة قوتهم!

لأنهم في النهاية، ليسوا سوى أوهام تستمد قوتها من ضعفنا، وأصنام تنهار بمجرد أن نكف عن عبادتها!

يقول جورج أورويل في 1984:

“إن أسرع طريقة لإنهاء الحرب هي أن تخسرها.”

وأسرع طريقة لإنهاء العبودية هي أن يرفضها الناس من داخلهم، أن يدركوا أنهم لم يولدوا ليكونوا تابعين، وأن الولاء الأعمى ليس فضيلة، بل لعنة تبقيهم في الظلام!

في النهاية، ليس المطلوب أن تكون ديكًا يصيح في وجه الظلم فحسب، بل أن تكون فكرًا يبقى!

حتى لو قُطع رأس الديك، فإن صوته سيظل يرن في عقول من أيقظهم، ولن يعودوا إلى النوم مرة أخرى!

اترك رد