
عندما ننتقد “الصمت” عند “الأتباع” لهذه الطائفة أو تلك، لمؤيدي هذا التوجه أو ذاك، فهذا لأننا نعي تمامًا أن “النقد الذاتي” هو الوسيلة الأفضل والأسرع للتغيير!
نستطيع وصف الحالة بـ**“التحيز العاطفي”**، ويندرج ذلك تحت بنود “التحيز المعرفي”، ويمكن شرحه بطرق علمية عدة (في علم النفس)!
لكن لتبسيط المفهوم، يمكننا القول: الصوت “السنّي الناقد” للطائفة (سلوكًا وفكرًا وقولًا) قادر على إحداث تغيير إيجابي أكثر مما يفعله غير السنّي، خصوصًا إذا ما أصبح ملحدًا!
وهذا المثال ينطبق على جميع الطوائف والمذاهب والجماعات والأحزاب في حياتنا!
فمثلًا، لعقدين من الزمن كنت أقدّم البحوث الدينية الناقدة لكتب “مخجلة” بكل معنى الكلمة! وكنت أطرح آلاف الأسئلة دون أن أحصل على إجابة، فقط رفض وشتائم وتهديد، حتى دون قراءة ما أكتبه!
يكفي أن يعرفوا أن الكاتب ملحد حتى يتم نسف كل ما كتب تحت شعار “حاقد على الدين”!
لكن، يأتي مسلم سنّي عادي وينتقد بطريقة بسيطة جدًا، لا أكاديمية ولا إعلامية ولا مهنية، بل بأسلوب شعبوي، فيُحدث تساؤلات عديدة في عقول إخوته في الطائفة ذاتها!
وينطبق المثال على الجميع، مع أنني أذكر السنّة تحديدًا هنا لأنهم دون غيرهم يسعون لفرض معتقداتهم على غيرهم، مع أن الظاهرة عامة بين الطوائف!
كنا نقول دائمًا إن مشكلتنا مع “صمت العقلاء” لا مع المتشددين منهم!
ولذلك نرى في كل الطوائف إما متشدد أو ملحد؛ والطرفان خطان متوازيان لا يلتقيان أبدًا!
لعقدين من الزمن لم تُحدث أبحاثي ومقالاتي تغييرًا كما فعل الداعية “وسيم يوسف” عندما قال كلمتين على التلفاز:
“لدينا كتب مخجلة جدًا وشيوخنا يخفونها!”
وأضاف: “لو علم العامة بهذه الكتب لزنّدق الجميع!” (أي لترك الدين كل أتباعه)!
لماذا؟!
لأنني ناقد ملحد (يعتبرونني حاقدًا، لا ناقدًا لما يُفرض على بلداننا من هبل وتخاريف قديمة لا علاقة لها بالعقل والمنطق، ومجرد تقديس أعمى لما وصل إلينا من كتب عبر الزمن)، بينما هو مسلم سنّي ينتقد معتقده!
وكذلك، كل ما قدمته من حقائق على مدى عقدين من الزمن من خلال عشرات الكتب ومئات الأبحاث وآلاف المقالات، لم يُحدث تأثيرًا كما فعل “محمد صالح”، وهو شيخ سابق، من خلال بثوث تيكتوك!
ليس لديه أبحاث أو مقالات أو كتب، فقط بثوث يتحدث فيها عن نصوص التخلف والإرهاب منذ سنتين حتى اليوم!
هذا هو التحيز العاطفي؛ فالمتحدث ينتقد معتقده، بينما أنا اعتبروني حاقدًا من جماعة المؤامرات الكونية على المسلمين الذين لم يقدموا للعالم سوى الخراب ومعسل التفاحتين!
الوضع السوري في آخر 14 سنة!
عندما كنا نخاطب “الصامتين” على جرائم الأسد (من جميع الطوائف، وأكثرهم سنّة في مناطق النظام)، كنا نأمل أن يتكلموا ويحدثوا تغييرًا في الشارع السوري!
لأن الظاهر في الشارع السوري آنذاك كانوا فقط الشبيحة الطائفيين القادمين من جنوب لبنان والعراق وإيران!
أما الطرف الآخر فكان هو الآخر غارقًا في الطائفية والعنصرية والإرهاب: طالبان، إخوان، نصرة، أنصار وبقية الجوقة!
فغاب العقل عن الساحة السورية وبقي السلاح هو الوحيد المتكلم!
اليوم، ومع جنون الطائفية المقيتة، يبقى “العقلاء” في صمتهم الذي يشبه صمت القبور!
ومهما قدمنا من حقائق لإجرامهم وحقدهم، لا يساوي ذلك كلمة واحدة من “مسلم سنّي”!
هذه حقيقة مؤلمة، لأن المستمع يهتم بالخلفية الدينية والعرقية للقائل، لا بما يقدمه من حقائق!
في عام 2011، كتبت ذلك على غلاف كتابي “الإسلام نصوص وأفعال؛ رحلة العقل عبر التاريخ”:
“يهمنا منطق القول وقول المنطق، بغض النظر عن خلفية قائله!”
بعد سقوط النظام المجرم!
برزت الأصوات الحاقدة الطفولية من محبي الشهرة والمضلَّلين، أغلبهم جهّال لاجئون لم يروا من الدنيا سوى طرق اللجوء وأفخاذ النساء في الغرب!
فتحولت الساحة السورية إلى مسرح للإرهاب الطائفي والحقد الأعمى، بينما العقلاء صامتون أو خائفون أو لامبالون!
الحلقة المفرغة!
تزيد الأكاذيب والأحقاد، وكلما صدعت رؤوسنا بشعارات كاذبة مثل “مليون شهيد سني”، تتضخم الأرقام مع الزمن حتى أصبحوا مليونين، وربما بعد سنوات سيصبحون عشرة ملايين!
في المقابل، لا أحد يتحدث عن مئتي ألف ضحية علوي في جيش النظام، ممن سقطوا في كمائن المتطرفين، أو ضحية إجرام النظام ذاته!
غياب العقلاء!
أولًا: يحدث ذلك بسبب غياب العقلاء، خاصة من السنّة!
ثانيًا: نظرًا لتكرار الأكاذيب بأن النظام كان علويًا، رغم أن الحكم الأسدي كان مافيويًا شارك فيه الجميع، وأغلبهم سنّة حتى في أيام حربه على الشعب!
لكن لا حياة لمن تنادي؛ السبب غياب عقلاء السنّة عن نقد هذه الأكاذيب التي تزيد الحقد!
صوت العقل الذي نحتاجه!
اليوم قرأت مقالًا كتبه نجم الدين السمان بعنوان “عن ثقافة الاعتذار”، وقد أحدث ضجةً كبيرة!
لماذا؟! لأنه سنّي سوري قال الحقيقة، نفس الحقيقة التي قلناها مرارًا، لكن الفرق أن الخلفية الدينية للكاتب سمحت لتلك الحقائق أن تصل!
أيها العقلاء من كل الطوائف وعلى رأسهم عقلاء السنّة، سوريا بحاجتكم، الفقراء بحاجتكم!
إما الآن، أو لن يبقى وطن نكتب عنه قريبًا إذا ما بقيتم في قصور الصمت!
الخير لوطني سوريا!