
هناك حالة نفسية في علم النفس نسميها الرفض للعقل الواعي، أو رفض المنطق؛ وهي حالة من تحكّم اللاوعي بالقرار والتفكير، بعيداً عن أي منطق عقلاني!
تندرج هذه الحالة تحت العديد من الاضطرابات النفسية المتعددة، لكنها تتلخّص في تسميات بسيطة: “مع أو ضد!”.
مثال: لديك صديقين، بحضورك تشاجرا!
أحدهما كان المخطئ، والآخر كان مجرد رد فعل!
تتوجه إلى المخطئ وتقول له: أنت من بدأ الشجار، وعليك الاعتذار!
فيجنّ جنونه ويظهر غضباً غير مسبوق، رافضاً الاعتراف بخطئه مهما قدّمت له من أدلة عقلانية ومنطقية وملموسة! حتى إن حاصرته في زاوية لا مفرّ منها، تجده يقفز فوق أدلتك ليقول لك: حتى لو أنا المخطئ، يجب عليك الوقوف بجانبي، فأنا صديقك الأوفى!
هنا، لا يوجد اعتراف بالخطأ، بل تحويل للأدوار؛ فجأة تصبح أنت المتهم، وعليك الدفاع بدلاً من الهجوم عليه!
هذه هي الحال مع الموالين لأي طرف كان!
مهما قدّمت لهم من براهين وأدلة غير قابلة للنقض، فأنت إما معهم أو ضدهم!
وعند حشرهم في الزاوية، تأتيك الردود الجاهزة:
“يا أخي، هذا ليس وقته، المؤامرة كبيرة، الحكومة جديدة، الأخطاء واردة!”
تلك الأعذار التي سمعها السوريون على مدار عقد ونصف من الزمان، تتكرر وتتجدد، ولكن بوجوه مختلفة!
عزيزي الموالي، من كان يعتبر نفسه معارضاً:
المعارض يبقى معارضاً ولا يتحوّل لمؤيد، لأن صفة الاعتراض لا تتغير مع تغيّر الوجوه!
أن تكون معارضاً يعني أن تبقى العين الساهرة على كشف الأخطاء، ومهما كان من يحكم، سواء كان من حزبك أو من خصومك، فالمعارضة ليست عداء، بل هي رقابة حقيقية على السلطة!
أنظر إلى بعض الشخصيات في الحزب الجمهوري بأمريكا، كيف وقفوا في وجه بعض سياسات ترامب رغم كونه رئيسهم في الحزب والدولة معاً!
هذه هي المعارضة الحقيقية؛ أن تراقب، أن تعترض، أن تبقى عيناً مفتوحة لا تجامل ولا تنافق!
عزيزي الموالي، برفضك للنقد، سواء كان جدياً أو ساخراً؛ أكاديمياً أو شعبياً، مهما كانت الأدلة دامغة، فإنك تسيء لمن تؤيده أكثر مما تخدمه!
تلك القدسية العمياء لم يعد الناس يتقبلونها منذ 1400 سنة، فما بالك في عصر التكنولوجيا والمعلومات؟!
لذلك، وحدهم عبيد السلطان يقفون في مواجهة الحقيقة، وبعنف غير مبرر، حتى يتحول المعبود إلى منبوذ، فيصبح رئيس العصابة معزولاً عن المجتمع، محاطاً فقط بشبيحته، بلا أي قيمة حقيقية!
أغلب الناس يعتقدون أنهم خارج هذه الدائرة، وأن حديثي لا ينطبق عليهم!
ولكن لمعرفة الحقيقة، حقيقتك أنت! اسأل نفسك: كيف يكون رد فعلك عندما يتم استفزازك؟!
هل يكون الردّ عقلانياً، أم أنك توزع التهم الجاهزة، والوعيد، والتهديد، وربما الدعوة للقتل؟!
مثال واقعي بالأسماء:
الصحفي العريق نضال معلوف، الذي أراه من أرقى الشخصيات الدبلوماسية في الشرق الأوسط!
كمية الاستفزازات والتهديدات التي يتلقاها يومياً، لا يستطيع أحد تحملها!
قبل ثلاثة أشهر، عندما كان ينتقد النظام بموضوعية، كانت التعليقات كلها مدح وثناء:
“يرحم البطن اللي حملك! مبدع، رائع، وطني!”
لكن، وبعد سقوط النظام وبدء تسليط الضوء على ممارسات وأخطاء العصابة الجديدة، تغيّرت النغمة!
بدأ معلوف، بكل أدب ودبلوماسية، في تسمية الجولاني الإرهابي الدولي بالسيد الشرع، ثم الرئيس أحمد حسين الشرع!
التعليقات انقلبت رأساً على عقب:
“يبدو أنك فقدت بوصلتك! يبدو أنك لا تعرف كيف تمارس الصحافة! أنت فلول، أنت عميل!”
نفس الأشخاص الذين كانوا يطبلون، أصبحوا الآن شبيحة!
وحجتهم الدائمة: “الحكومة جديدة، اعطوها الوقت، المؤامرة كبيرة!”
وبعضهم لا يقرأ أصلاً، فقط يكتب: “من يحرر يقرر، السنة هم الأغلبية، نحن من دفع الثمن!”
وإذا نظرت إليه، تجده لاجئاً في أوروبا، وعندما غادر سوريا كان عمره لا يتجاوز العشر سنوات، وقضى حياته في التكبيس والتشيير لمشاهير التيكتوك!
هذا ما عشته في صفحتي منذ بداية الثورة؛
كانوا يهتفون لي وأنا أنتف ريش الأسد، وأصبحوا يشتمونني ويهددونني عندما نقدت شخصية إرهابية بكل المعايير الدولية!
تسمع أحدهم يقول لك: “عامل حالك فهمان؟ عامل حالك كاتب؟ روح اقرأ القرآن وتعال احكي!”
هذا أفهمهم، فكيف بأغباهم؟!
هل يعلم هؤلاء الصبية المضطربون كم صارعنا الأسد عندما كان رئيسهم الحالي يتمتع بين أفخاذ السبايا في العراق؟!
هل يعلمون كم من المناظرات الدينية خضنا مع كبار الشيوخ في البالتوك، ذلك البرنامج الذي كان قبل أن يولدوا؟!
هل يعلمون أن لنا بحوثاً وكتباً لم يستطع أحد الرد عليها لأننا كتبناها بكل حيادية وموضوعية، معززة بكل الأدلة المتوفرة في العالم؟!
ثم يأتون ليقولوا: “أين كنتم عندما…!”
عزيزي الموالي، يجب أن تشكرني أنا وغيري من المراقبين المتسلطين في أقلامنا على زعمائكم!
نحن من يجعلهم يستقيمون، بتسليطنا الضوء على أخطائهم!
إما أن يستقيموا، أو يظهروا حقيقتهم؛ تلك الحقيقة التي تقول لكم:
“أنتم الموالون، مجرد قطيع بدون قيمة، يستخدمكم لمصالحه الشخصية، ويضحي بكم عند الحاجة!”
كلمة أخيرة:
أعطني قولاً واحداً تقولونه، أو فعلاً واحداً تمارسونه، لم يكن موجوداً عند الطرف الآخر الذي كنتم تعادونه!
ما الفرق بين الأسد والجولاني؟!
بين شبيحة وذبيحة ونبيحة هذا وذاك؟!
بين داعش وميليشيات إيران؟!
هل من يجرؤ على التحدي ويقول لي الفرق بينهم؟!
أليس لديكم عاقل يظهر ليفنّد هذه التساؤلات؟!
زوال الأطراف الإجرامية الأولى، هو دليل على زوالكم أنتم أيضاً، مهما طال الزمن!
أمامكم خياران:
شتمي وتهديدي، وربما قطع رأسي؛ وهذا ما تجيدونه! محاولة إقناعي بموقفكم، ولكن ذلك يحتاج لمنطق، وأنا ملحد أعبد المنطق! فهل تستطيعون إقناعي من خلال معبودي؟! (إن كنتم قد سمعتم به من قبل!)
العقل زينة محروم منها الكثيرون!