
من المعروف للقاصي والداني أن السعودية والإمارات في جانب، وتركيا مع قطر في جانب آخر!
الجانب الأول يقف مع الانفتاح والعولمة، بناء منظومة اقتصادية تحاول إعادة تعريف القوة في الشرق الأوسط عبر بوابة الاقتصاد لا السلاح، بينما الجانب الثاني مع الأخونة والتتريك، استنساخ مشاريع سياسية مؤدلجة تعيد رسم الخرائط الثقافية والاجتماعية بعباءة دينية!
لم يكن غريباً أن يقوم هذا الجانب الثاني، كما يعلم الجميع، برعاية كلّ إرهابيي العالم، من حماس وطالبان والإخوان وبقية الجوقة المكدّسة!
بينما سعى ويسعى الجانب الأول إلى جلب الاستثمارات العالمية، وكأنهم استوعبوا أخيراً أن القوة لا تتجلى في عدّاد الرصاص، بل في عدّاد النقود وميزان الاقتصاد!
هنا يظهر الفارق بين من يريد أن يقاتل العالم، ومن يريد أن يشتريه!
كان لدينا وريث ديكتاتور يعادي الجميع لأجل عيون الخامنئي ومشروعه الفارسي في المنطقة؛
ديكتاتور اختار أن يربط مصير وطن بأوهام إمبراطورية تتغذى على الدماء والموت!
ذهب الوريث، وجاء ابن طالبان وداعش؛ نسخة مشوهة ومصغّرة عن “الخلافة الداعشية”، ليغتصب السلطة وينصّب نفسه رئيساً، رئيس على دولة ليس لها دستور ولا قانون ولا أحزاب ولا منظمات ولا أي شيء، سوى رأي عصابته في تسيير الدولة!
حلّ كل شيء، حتى ركب ومفاصل الشبيحة الخاصة بهذا الدعدوش الجديد، وكأنّه يعدّ البلاد لمزاد علني؛ من يدفع أكثر، يأخذ أكثر!
الجولاني ينتقل بسرعة بين النقيضين، فعلى أي طرف سوف يرسو المزاد؟!
بعد مجيء حاكم قطر راعي الإخوان لمقابلة طفله المدلل، الجولاني، طار الفتى إلى السعودية!
تلك التي صرّح بإعجابه برؤيتها لعام 2030!
وتمنى (ونتمنى نحن أيضاً) أن نستفيد من التجربة السعودية في هذا المجال!
وكأنّه لم يكتفِ بالتمسّح بأعتاب الدوحة، فهرول نحو الرياض ليقبّل يد العرّاب الجديد!
لكن، وكعادة كلّ من لا مبدأ لهم، انتقل سريعاً من السعودية إلى تركيا العثمانية للقاء الإخواني المجرم أردوغان!
هنا الكارثة الحقيقية!
فمنذ اليوم الأول لهروب الأسد، أرسل أردوغان رجاله لكي يتكلموا فوراً فوراً فوراً بمشروع تقسيم الحدود البحرية بين سوريا وتركيا!
يبدو أن السلطان العثماني الصغير قال في نفسه: “هذه فرصة ذهبية، فماذا يمنعني من سرقة بلدٍ بلا سيادة ولا قانون؟!
لا شيء يقف في طريقي سوى هؤلاء الطالبانيين الذين لا يجيدون سوى جلد النساء وطبخ الرؤوس!”
الملفت في الأمر هو تصريحات تركيا حول اللقاء قبل حدوثه، وتحديداً حول ما سيدور فيه!
فقد جاء في البيان التركي أنه سيناقش الجولاني في إقامة “قواعد عسكرية تركية” في سوريا!
يا للكارثة!
نحن لا نعلم كيف سنخرج الروس والأمريكان من سوريا، فيأتي هذا الولد الإرهابي ليجلب لنا قواعد عثمانية لن تخرج منها ربما للأبد!
فتركيا التي تعبث بكلابها في الداخل السوري، وتسيّر المرتزقة تحت مسميات إسلامية زائفة، ستصبح فجأة صاحبة السيادة العسكرية، بغطاء “رسمي”!
ولا شك أن المجرم أردوغان الذي يرتكب هو وعصاباته المجازر كل يوم في حق سوريا، وبالأخص بحق أهلنا الكرد، سوف يقترح على الجولاني إقامة هذه القواعد مقابل حمايته من خصومه!
تماماً كما فعل بشار الأسد عندما باع نصف سوريا للروس، والنصف الآخر لإيران، مقابل حمايته من شعبه!
مشروع “تأجير الوطن” مستمر، لكن تحت مسميات جديدة، وبأقنعة مختلفة!
فعلى من سيرسو المزاد؟!
المصيبة الكبرى، يا سادة، أن هذه العصابة التي اغتصبت السلطة ومعها سوريا كلها، لا يحق لها إبرام أي اتفاق، ولا تحت أي ظرف، ولا تحت أي تشريع دولي، ولا قانون، ولا أي شيء يمت للعقل بصلة!
وهذا كله بعكس تصريحاته التي قال فيها إنه سيكون في الشهر الثالث حكومة انتقالية شاملة!
وحتى هذه الحكومة، إن رأت النور، لا يحق لها القيام بمثل هذه الأعمال!
فمهمتها ستكون محصورة في تسيير أعمال البلد، وكتابة دستور، وتنظيم الانتخابات!
فعلى أي أساس يتصرف هذا الأبله، خاصة بعد أن حلّ الدستور والقوانين كلها؟!
ما الذي يتم بيعه الآن؟! وبأي ثمن؟! ولصالح من؟!
من يقرر وكيف وعلى أي أساس؟!
إني أرى بشار الأسد في السلطة بوجه الجولاني، وعليه سيأتي الشهر الثالث ليشكل حكومة انتقالية بطريقة بشار الأسد!
سيكون هو الرئيس طبعاً، ووزير مسيحي على وزارة التبولة، ووزير علوي على وزارة الفتوش، ووزير درزي على وزارة المتة، وإسماعيلي على وزارة الدبكة والدبيكة والطبال!
أما وزارات الدولة المهمة، ستبقى في عهدة عصاباته!
وهكذا يقول للمجتمع الدولي: “هذه هي التشاركية!”
فهاتوا المليارات!
وبعد كم سنة لأجل كتابة الدستور، سيطيب له المجلس، ويحكم قبضته على كل شيء في الدولة!
وخلص منه إن استطعت!
هل يستطيع؟!
طبعاً وبكل تأكيد! فالمشكلة ليست فيه بقدر ما هي عند عصابات الطوائف، والزعماء الذميين؛ فهم من يتحكمون بأتباعهم!
وتوتة توتة، خلصت سوريا!
والحل؟!
رفض ما تم الإعلان عنه: “مجلس العلويين”! فهو لا يمثل العلوية! رجال الكنيسة للكنيسة، ولا يمثلون المسيحية في السياسة! شيوخ الدروز لا يمثلون الدروز في السياسة! والمجلس الإسماعيلي لا يمثل الإسماعيليين في السياسة! اللجوء للساحات، فلن ترضى عنك الدول ولا تستطيع الاستثمار في سوريا ونهب خيراتها بظل وجود مظاهرات، والتي حتماً لن يستطيع الجولاني وعصاباته الرد عليها بطريقة الأسد، وذلك بسبب وجود الإعلام الدولي كله في سوريا، والجميع يراقب عن كثب!
ومع ذلك، إما دفع ثمن الحرية، أو فلننسَ سوريا للأبد!
فـتزاوج السلطة السياسية مع السلطة الدينية سيخلّف لنا عاهات لم ترَ مثلها البشرية!
المظاهرات في أي دولة تعتبر عامل قلق وصراع للدول التي تود الاستثمار في هذا البلد!
لن تبدأ استثماراتها وهناك حالة فوضى!
وبهذا، ستدفعون الدول لتعديل سياساتها، واختيار ما يوافق الشعب ويوافقها بآن معاً!
الدول لا تهتم براحتكم، بل بمصالحها!
والحل الوحيد لتغيير سياساتها نحو الأفضل لسوريا ككل، هو إيقاف مصالحها!
فكروا جيداً!