
كثيرًا ما سُئلت على الخاص عن رأيي في عودة جهاد مقدسي للمشهد السوري وعن كلامه في تلك المقابلة!
ترددت كثيرًا في إبداء رأي حوله وما قاله، والأعذار التي قدمها عن سبب تأخره في الانشقاق عن النظام الذي كان متحدثًا بارعًا فيه (لا يبرع المرء بشيء لا يؤمن به)!
والسبب الرئيسي في ترددي، هو أنني سأضطر للرد على كلامه بكثير من الحقائق التاريخية التي لا نود استرجاعها، فنحن بصدد بناء سوريا الجديدة، بدون أحقاد قديمة!
لكن صدى كلماته لا يخرج من رأسي حتى الآن؛ فقد سرد لنا أبو السرديات سردية “طفولية” لا يصدقها حتى المعنيون بكلامه، ولا يقولها إلا جاهل بالوضع السوري وحرب “الأخلاق” قبل حرب الدماء فيها!
فقد سرد لنا التالي: أن عدد “الشهداء” فقط من الطائفة السنية جراء الحرب، “يفوق تعداد الأقليات في عموم سوريا”، مشددًا على ضرورة وجود خطاب يطمئن هذه الأكثرية السنية، بالتوازي مع الدعوات لحماية باقي المكونات الأقلية في سوريا!
ما هذا يا حضرة سيادة الدكتور المعارض المثقف؟!
لا نعلم أن عدد الشهداء لدى السنّة فاق “العشرة ملايين”! وهو أقل تقدير لعدد الأقليات في سوريا!
لا أرغب في جاهل يقول لي في التعليقات إنه يقصد عدد شهداء الأقليات!
فهذا الكلام صادر من متحدث “كبير” وليس بجاهل يقول ما لا يفهم! وقد قال “تعداد الأقليات في عموم سوريا”!
وثانيًا، طمأنة السنّة ممن؟!
هل عليهم خطر يا سيادة المعارض الفذ؟!
الخطر الوحيد عليهم الآن هو من أمثالك وأمثال الجولاني وعصابات أردوغان الطائفية!
أم أن كلامك هذا “محاباة” لكي يقبلك السنّة بين صفوفهم، لكونهم رأوا فيك الشبيح للنظام آنذاك، وحتى المعارضة في “منصّة القاهرة” لم تقبلك مطولًا، فبدأت تكيل التهم لهم وعلى رأسهم هيثم مناع، لتقول إنه ما حدث كان “سيركًا سياسيًا” بكل وقاحة؟!
وهل كوني معارضًا، أحتاج لجهة أنتمي لها كي أبقى معارضًا، وحين تختفي هذه الجهة (أو لا تقبلني في صفوفها) تختفي معارضتي وأذهب لحياتي الشخصية بحجة العائلة؟!
من أمرك الآن بالعودة؟! ولماذا؟!
لا أحد يهتم الآن بعدد ضحايا الطائفة العلوية (التي لا أنتمي لها، كي لا تظن أنني أدافع عنها لسبب شخصي) لأن المنتصر الحالي هو طالباني!
هل تعلم يا سيد مقدسي أن النظام الذي كنت تخدمه كان يسجن الكثير من السنّة لابتزاز عائلاتهم وللتمتع بتعذيبهم (الأيديولوجيا المتبعة إيرانية فارسية مجوسية طائفية لا علاقة للسوري بها) بينما – دقّق هنا – بينما كان يُبيد العلويين في الميدان لأبسط الأسباب بحجة أن المعارضة المسلحة قتلتهم، كي يبقي سيطرته على الطائفة العلوية وبقية الطوائف بترهيبهم من المجهول؟!
هل سمعت عن “صدد السريانية” في حمص التي كان يحيط بها النظام من كل الجوانب، وحين ارتفعت أصوات المعارضة فيها، أدخل النظام داعش ليعيثوا فيها قتلاً وحرقًا ودمارًا، كي يقول لهم هذا هو البديل عني؟!
هل تتكرم بطلب مسح تعدادي (من أسيادك الذين أرسلوك الآن) للضحايا من كل الطوائف حتى ترى أنهم بحسب “النسبة والتناسب” ليس هناك فرق كبير في التعداد؟!
فمن الطبيعي أن تكون فئة بها عشرة ملايين نسمة لديها مليون ضحية، مقابل فئة بها مليون نسمة لديها مئة ألف ضحية! يا متحدث إنت!
مع كامل الاعتراف بأن هناك تعدادًا أكبر لضحايا السنّة، والسبب هو إيران وحربها الطائفية معكم التي تقودونها بالتناوب فيما بينكم! فقد كنتم الظالمين سابقًا، وأصبحتم المظلومين لاحقًا، وها هي الموازين تنقلب لتعودوا ظالمين عليهم (انظروا ماذا يفعلون بالشيعة في حمص)! وستبقى هذه الحرب القائمة منذ 1400 سنة إلى ما لا نهاية، طالما أمثالك يلبسون الطقوم ويظهرون بمظهر المثقفين لبث السموم الطائفية! فلم يسمع أحد في التاريخ عن جاهل قاد قطيعًا، بل أمثالك من يقوم بتدجين الناس واقتيادهم للهلاك الطائفي!
هذه الأرض مقدسة بسبب الدماء السورية التي سالت عليها منذ قرون طويلة! ولا يحق لك ولأمثالك أن تتكلموا عن “أعداد الضحايا” بصيغة من يدفع دمًا أكثر يحكم!
فلو أردنا التحدث عن الدماء التي سالت وعن التهجير الممنهج، فلنتكلم عن التاريخ السوري ككل، وليس فقط آخر 14 سنة!
عندها أنت وغيرك يجب أن تنحني أمام “الأقلية المسيحية” التي أصبحت أقلية بسبب أسيادك من عرب وعثمانيين! فلن أذكرك بمئات المجازر التي كانت عليهم فقط!
آخرها بالتهجير ما كان يفعله البعث العروبي وأسده الأب في السريان والآشوريين والكلدان والأرمن في الشمال السوري على وجه التحديد!
وآخرها بالقتل الممنهج عام 1860 في دمشق، الذي ذهب ضحيته عشرات الآلاف من المسيحيين؛ اسألوا أحفاد القائد البطل السني عبدالقادر الجزائري الذي كان سببًا في إيقاف المجزرة التي كانت ستقضي كليًا على الوجود المسيحي!
ومن قبلها “قومة حلب 1850” التي ذهب ضحيتها عشرات الآلاف من مسيحيي حلب على يد إخوتك من الأكثرية بتحريض مباشر من أسيادك العثمانيين!
التاريخ ما زال بين أيدينا، فأما الخطاب المعتدل الذي يحض على التسامح والتصالح بعيدًا عن الماضي، كي نفتح صفحة جديدة في سوريا والكلمة تكون للمواطنة، أو فلتخرس أنت ومن على شاكلتك، فسوريا ليست بحاجة للمزيد من هذا “الهُراء الطائفي المُبطّن”!
عندما سمعت بعودتك، استبشرت خيرًا وتابعت اللقاء بكل شغف، فسوريا بحاجة للعقلاء! ولكن خيبت أملنا بهرائك!
تبًا لقومٍ يتسيد فيه المجانين باسم الثقافة!
——
على الهامش:
جسدك أيها الإنسان يتكون من 70 بالمئة من الماء، فلا تبخل بالقليل منه على شكل “بصاق” على كل من يقول لك إن النظام المجرم كان طائفيًا!
فلولا أصحاب رؤوس المال السني من تجار وغيرهم، بجانب كفتارو والبوطي وعصاباتهم الدينية وما كانوا يفعلونه “كلهم” بجانب الأسد على مدى خمسين عامًا بكل مكونات الشعب، من تقسيم وتهجير وتجهيل وتفقير، لما حدث ما حدث في سوريا!
هل يعلم هؤلاء الحمقى أن قرية علوية بالكامل في اللاذقية على عهد المقبور حافظ الأسد تمت إبادة رجالها وشبابها بطلب من كفتارو، فقط لكونهم “شيوعيين” آنذاك؟!
اسألوا عن بسنادا!
اللعنة! دعوا التاريخ بغباره، فليس من مصلحة أحد نفض الغبار عنه، فالجميع مجرمون!