
في منتصف عام 2001، وبعد نهاية ما عُرف بـ “ربيع دمشق” الذي جاء بمن استبشرت فيه المعارضة خيراً، الدكتور المثقف المتعلم في بريطانيا (سيّئ الذكر)، وبعد أن قامت المخابرات بإيقاف نشاطات المنتديات الثقافية والفكرية والسياسية، وبدأت التصفيات لكل من تجرأ وتكلم، أتت المخابرات لأخذ اثنين من أصدقائي ليلاً من أسرّتهم إلى “بيت خالتهم”!
لاحقاً، وبعد مليار ونصف اتصال ووساطات ودفع رشاوى، علمنا أنه تم أخذهم إلى فرع عنجر، وهناك، وبعد مزيد من الوساطات والرشاوى، علمنا أنه تم نقلهم إلى فرع فلسطين. ومجدداً، بعد جولات من الوساطات والرشاوى، اكتشفنا أنهم في سجن صيدنايا! وهناك، كان من المستحيل مقابلتهم أو حتى معرفة أي شيء عنهم!
طبعاً، هذه الرحلة الشاقة لأشهر طويلة كانت قد دمّرت العائلة بالكامل ماديًا ونفسيًا وجسديًا! حتى الملابس الداخلية تم بيعها لأجل دفع الرشاوى!
علمنا خلال هذه الفترة أن (صديقًا للعائلة) كان من قام “بالوشاية” عليهم لغرض طفولي صبياني، أودى بعائلة كاملة إلى الجحيم، وكانت التهمة آنذاك يا سادة، هي “الانتماء للقوات اللبنانية”!
تخيّل يرعاك الله، جنرالات الأسد!
مع العلم أننا، أنا وهم والجيران والحارة والضيعة والمدينة، وحتى كوكب عطارد، لم تكن لنا أي علاقة بالسياسة، لا نفهمها ولا نقربها، كنا شبابًا في بداية حياتنا، نهيم على الأرض باحثين عن تعريف لأنفسنا، نتخبط بهذه الحياة حالنا حال الملايين من الشعب الميت الذي ينتظر دفنه!
(على الهامش، عندما وصلنا إلى قصر “عبدالله الأحمر”، زعيم المافيا البعثية، لنتفاوض على “السعر” لإخراجهم، طلب آنذاك 14 ألف دولار! ولا نعلم لماذا هذا الرقم بالتحديد وبالدولار أيضاً! ربما كان رقم حظه! تفاجأت حينها كيف يمكن للإنسان أن يصل لهذه المرحلة من الثراء الفاحش، فعقولنا بالكاد كانت تستوعب الألف دولار آنذاك!)
بالمختصر، قام بشار الأسد بإخراج بعض معتقلي الرأي (بضع عشرات فقط) للتخفيف من حدّة الاحتقان لما حدث بعد “خريف دمشق”، وكانوا لحسن الحظ من ضمن الذين شملهم العفو، بالرغم من وجود من هم أهم منهم بكثير، وهم بالأصل لم يكونوا معتقلي رأي!
لكن بشار كان يريد أرقامًا يتكلم بها، فأخرج بعض الأرقام وترك من هم فعلاً أصحاب رأي سياسي يشكّلون خطراً على حكمه!
(خرجوا بنصف عقل وبأمراض كثيرة)!
صدمة الوعي الأول!
بالنسبة لي، كان الحدث صدمة كبيرة لعقلي الفتيّ، خاصةً أننا التقينا بأمثالنا الكثيرين، ممن يبحثون عن بقعة ضوء يرون بها مساجينهم! حينها، وبهذه المعارك، دخلنا زواريب السياسة ورأينا وعلمنا ماذا كان يحدث وكيف انقلب ربيع دمشق إلى خريف سوري أشبه بالكابوس!
ومن هنا وهناك، ومع التدقيق في هذه الزواريب، شاهدت كميات من الظلم والفساد لا تدركها العقول!
بحكم أن الدرس الأول الذي تعلمته على يد هذا “الصديق” هو عدم الثقة بأي كائن على وجه الأرض، وعلمت حينها ماذا كانوا يقصدون بأن “للحائط آذان صاغية”!
بدأت بالكتابة عما يجري من فساد وظلم، وكل يوم باسم مختلف، حتى “الذباب الأزرق” لم يكن يدري بذلك، بسبب كمية الرعب التي كانت تتملك الجميع!
البحث في الشمال المنسي!
بالقراءة والبحث، علمت ماذا كان يحدث في الشمال السوري منذ سنوات طويلة؛ التهجير الممنهج للسريان، والاضطهاد للكرد، وتفقير العرب السنة، وحرمانهم من كل شيء مع إلهائهم في المساجد، وتجويع العلوية لإجبارهم على التطوع في الجيش!
توالت عليّ القصص، وبدأت أكتب عنها، وكل ظنّي آنذاك (بسبب السذاجة) أن ما أكتبه سيحدث ثورة على الظلم!
يا لي من شاب مغفّل!
الاكتشاف الأول: الصمت سيد الموقف!
المعنى الحقيقي لعبارة “اللهم أسألك نفسي”!
لا أحد يهتم!
السقوط في المستنقع!
عندما بدأ الربيع العربي يجتاح المنطقة، سارعنا إلى الطلب من هذا النظام المجرم أن يقود عملية انتقالية سلمية للسلطة، عليه أن يضم أساتذتنا المعارضين الكبار للسلطة، وإلا…
ليفاجئنا سيادة الدكتور المجرم بخطاب يقول فيه إن الشعب السوري غير مهيّأ للتغيير، وبكل عنجهية وتعجرف، استبعد حصول “تلك المؤامرة” على سوريا!
التحذيرات التي ضاعت في الصمت!
حذرنا وقلنا إن النظام سينهار، وإنه يجب التحرك السريع للاستيلاء على السلطة في دمشق عند سقوطه، وإلا ستأتي جحافل تركيا العثمانية للسلطة!
وهذا ما حدث!
لأنه؟!
الاكتشاف المليون: الصمت سيد الموقف!
وها نحن، منذ ذلك اليوم، نحذر من تفاقم الوضع وتحوله إلى حرب أهلية، وكل يوم يزداد الوضع سوءًا!
والاكتشاف المليار: الصمت سيد الموقف!
نعم، سيموت الكثيرون، وها هي تتحول سوريا إلى أفغانستان جديدة “برو ماكس”، وما زال الصمت سيد الموقف!
الخوف والرعب حتى من مشاركة رأي وفكرة لصالحهم!
لا حياة لمن تنادي!
مملكة الصمت!
لم أكتشف الذرة طيلة تلك السنوات. فكل ما سبق لم يكن “عبقرية فذّة” مني ولا من غيري، فالمشهد كان واضحًا جدًا منذ سنين طويلة، لكن شعوبنا هي قطعان من “النعام” تفضّل وضع رؤوسها في الرمال!
تنعموا بأوهامكم التي تقول لكم إن إعجوبة إلهية ستحدث تغييرًا إيجابيًا!
فاستيقاظكم على الحقيقة المرّة بعد فوات الأوان ليس ببعيد!
والندم سيعمّ الجميع، وسيطال حتى “السنّة” لتأييدهم حكم طالبان في دمشق! أو على الأقل لصمتهم عمّا يفعلونه بالبقية، كما ندم الآخرون على صمتهم بما فعله المجرم الهارب بهم!
حربكم لم تكن مع الأسد، وهي الآن ليست مع طالبان دمشق وإرهابيها، بل حربكم مع أنفسكم، وأنانيتكم، وصمتكم، وخوفكم!
إن لم تنتصروا على صمتكم وخوفكم، لن تقوم لكم قائمة بعد اليوم، وعلى الأقل لخمسين سنة أخرى!
حان الوقت، إمّا أن تتبادلوا الأدوار في المخيمات ودول اللجوء والموت برًا وبحرًا وجوًا، أو تتخلصوا من مخاوفكم!
الرحمة على روح المعارض الكبير رياض الترك، فقد صدق عندما كان يقول عن سوريا إنها “مملكة الصمت”!