
كل ما عليك فعله، هو أن تجد من يفهم لغتك!
وإلا قضيت عمرك كله تترجم روحك!
إن حدود لغتك هي حدود عالمك! ولكن ماذا لو كان عالمك أوسع من اللغة التي يتداولها من حولك؟! عندها لا يكون العطب في الكلمات، بل في الآذان!
واللغة بيت الوجود! فإذا لم يجد وجودك بيتاً يسكن فيه، بقي مشرداً بين العبارات، يطرق أبواباً لا يفتحها أحد! ولعل هذا هو السر في أن بعض الناس يبدون محاطين بالكلام ومع ذلك يعيشون في العراء!
وانظر إلى الأمر من جذره النفسي! الطفل لا يعرف نفسه إلا حين يراها في عيني أمه، ومن لا يجد من يعكس حقيقته يصنع لنفسه ذاتاً زائفة تُرضي الناظرين! ثم يكبر هذا الطفل ويصبح مترجماً بارعاً، يعرف كيف يخفف حدته، وكيف يؤجل حزنه، وكيف يختصر عمقه في جملة تليق بالمجلس! وما نسميه لباقةً قد لا يكون إلا ضريبةً يدفعها من لم يُفهم قط!
فالنفس لا تنمو بالغذاء وحده، بل بمن يستجيب لها بدفء وانتباه، كما تحتاج الرئة إلى الهواء! ومن حُرم هذا الانعكاس الحيّ لم يتعلم كيف يطمئن إلى وجوده، وبات يفتش عن أي مرآة، حتى لو كانت مشوِّهة، لأن غياب المرايا كلها أشد قسوة من تشويهها!
أما الحقيقة الأقسى فهي أن الوعي نفسه وُلد من حاجة البشر إلى التواصل، وأن ما نستطيع قوله للآخرين هو أسطح ما فينا وأكثره شيوعاً! أي أنك حين تترجم روحك إلى لغة القطيع، فلا تفقد التفاصيل وحدها، بل تفقد ما كان فريداً فيك أصلاً!
وفي كل إنسان قناع يرتديه ليتعايش مع محيطه! وهو ضروري في حدوده، فلا أحد يخرج إلى الناس عارياً! ولكن الخطر أن يطول ارتداؤه حتى يظن صاحبه أنه وجهه الحقيقي، فيستيقظ ذات يوم وقد نسي ملامحه، ولا يدري من يسأل عنها!
وهنا الفخ الأخطر! فالترجمة المتكررة لا تبقى مهارةً خارجية، بل تتسلل إلى الداخل! تبدأ بترجمة الكلام، ثم المشاعر، ثم تجد نفسك تفكر بلغة الآخرين لتضمن أن تُقبل! وبعد سنوات تبحث عن النص الأصلي فلا تجده، لأنك قضيت عمرك كله في نقل نسخة عن نسخة، حتى ضاع الأصل!
ولا يقف الثمن عند حدود الفكرة! فالجسد يحفظ ما لا يقال، والمترجم الدائم يعيش في يقظة مرهقة، يراقب كل جملة قبل أن تخرج ويحسب كل وقع قبل أن يقع! وهذا الجهد الخفي، الذي لا يراه أحد ولا يشكره أحد، هو ما نسميه لاحقاً تعباً بلا سبب، وإرهاقاً لا تفسره ساعات العمل!
وماذا يفعل ما لا يجد من يستقبله؟! يُدفن! ثم يعود في هيئة قلق غامض، أو برود لا تعرف مصدره، أو وحدة تشعر بها وسط الزحام! والانتماء حاجة أولى لا ترفاً، والإنسان لا يستقيم إلا حين يشعر أن له مكاناً بين الناس!
وهناك فرق جوهري بين علاقتين! علاقة تُستعمل فيها وتُصنَّف وتُفهم من الخارج، وعلاقة تُلاقى فيها كلياً بلا وسيط! والإنسان لا يصير ذاتاً حقيقية إلا حين يقف أمامه إنسان حقيقي! فمن عاش بين من يعاملونه شيئاً مفيداً أو مألوفاً أو مزعجاً، فقد حُرم من أن يكون ذاتاً كاملةً، مهما بلغ نجاحه!
ولهذا فالفهم ليس أن يوافقك أحد على رأيك! الفهم أن يُستقبل ما فيك كما هو، بلا شرح ولا تبرير ولا تليين! أن تقول نصف جملة فيُتمّها الآخر بصمته! أن تجلس إلى إنسان فتشعر أنك لم تعد تحتاج إلى مترجم!
وهذه اللحظة هي اندماج الآفاق! أن يلتقي أفقان فلا يذوب أحدهما في الآخر، ولا يفرض أحدهما نفسه على الآخر، بل يتسع كل منهما بما لم يكن يراه! وهذا لا يحدث بالمصادفة ولا بكثرة الكلام، بل بالإصغاء الذي يسبق الجواب، وبالاستعداد لأن تتغير قليلاً وأنت تسمع!
فلا تلُم نفسك على كل السنوات التي قضيتها مترجماً! لقد كانت وسيلتك للنجاة، وكانت ذكاءً حقيقياً في زمن لم يكن فيه من يفهمك! ولكن النجاة غير الحياة، والبقاء غير الإقامة! فإن آن لك أن تتوقف، فتوقف!
فإن وجدت هذا الإنسان فتمسك به، لأنه ليس صديقاً فحسب! هو الوطن الوحيد الذي لا يطلب منك جواز سفر!