
وأنا أتأمل السياسيين هنا وهناك، وأرى كوارثهم الداخلية والخارجية، خطر ببالي سؤال لم أستطع تجاهله: كيف يمكن لهؤلاء الحمقى أن يحكموا الملايين؟!
والمفارقة أن هؤلاء أنفسهم هم من يضعون القوانين التي تشترط عليك شهادة وخبرة في أبسط شؤون حياتك!
فقد تشتري بيتاً من تعبك وسنوات عملك، وتمتلك من الخبرة ما يكفي لإصلاح أعطاله، ثم تُفاجأ بأن القانون لا يسمح لك أنت بالذات بالتدخل في بيتك، وأن عليك أن تستدعي شركة فيها من يحمل شهادة مهنية في التخصص، كما هو الحال في الكهرباء مثلاً! تملك المعرفة، لكنك لا تملك الحق!
فمن الذي وضع هذه الشروط؟!
إنهم أنفسهم الذين لم يطالبهم أحد بشهادة أو خبرة في السياسة أو الاقتصاد أو القانون! يشترطون عليك ما لا يشترطونه على أنفسهم!
لكنني توقفت قليلاً، وسألت نفسي سؤالاً أدق: هل المشكلة في الحماقة وحدها، أم في نظام يشدد على من يصلح مقبس كهرباء، ولا يطلب ممن يصنع القوانين أن يثبت أنه يفهم ما يفعل؟!
ولا أقول هذا لأنني أرفض الترخيص من أساسه! فحين يتعلق الأمر بحياة الآخرين، لا يريد أحد طبيباً بلا تدريب، ولا جسراً بلا مهندس! لكن المعيار يجب أن يكون واحداً، فإن كان الخطأ في مهنة صغيرة يستوجب شهادة، فالخطأ في صناعة قانون يحكم الملايين يستوجب أكثر!
تخيّلوا أن شخصاً لا يعرف شيئاً عن الطب، قرر فجأة أن يفتح عيادة ويبدأ بتشخيص المرضى ووصف الأدوية لهم! هل سيُسمح له بذلك؟! بالتأكيد لا! فالقانون يشترط مؤهلات وتدريباً وترخيصاً، لأن الخطأ في هذا المجال قد يدمّر حياة إنسان!
وتخيّلوا شخصاً لا يمتلك أي معرفة بالهندسة قرر تصميم جسر تعبره آلاف السيارات يومياً! هل يكفي أن يكون محبوباً بين الناس كي نمنحه هذه المسؤولية؟! بالطبع لا!
لكن ماذا لو كان هذا الشخص مرشحاً للبرلمان؟!
فجأة، تتغير القواعد! لا يُشترط أن يكون طبيباً أو مهندساً أو اقتصادياً أو قانونياً، ولا أن يمتلك معرفة أساسية بكيفية عمل المؤسسات التي سيشارك في إدارة شؤونها! يكفي أن يصل إلى المقعد النيابي وفق قواعد النظام السياسي، ليصبح قادراً على التصويت على قوانين تمس الطب والتعليم والاقتصاد والضرائب والبيئة والحقوق والحريات!
يا لها من مفارقة تستحق التأمل!
نحن نعيش في عالم لا نسمح فيه لشخص بممارسة بعض المهن من دون تدريب أو ترخيص، لكننا نقبل أن يشارك أشخاص في صناعة قوانين تحكم ملايين البشر، من دون أن نسأل بالقدر نفسه عن الحد الأدنى من المعرفة الذي يحتاجون إليه لفهم نتائج قراراتهم!
وقد يعترض معترض بأن التشبيه ليس دقيقاً، فالطبيب يعمل منفرداً ويُحاسَب مهنياً على كل خطأ، أما النائب فيصوّت ضمن مجموعة، وتسنده لجان ومستشارون! وهذا صحيح! لكنه لا يُضعف الحجة بل يقوّيها، لأن المستشار لا ينفع من لا يعرف ما يسأل عنه، ولا كيف يقيّم الجواب، ولا متى يُخدع!
ويقول آخرون إن البرلمان وُجد ليمثّل الناس لا ليجمع الخبراء، وإن الخبرة مكانها المستشارون واللجان! وهذا صحيح في جوهره أيضاً! فتمثيل الناس أساس الشرعية، ولا أدعو إلى استبداله بحكم الخبراء! لكن من يصوّت على قانون الضرائب أو الصحة يحتاج إلى حدٍّ أدنى من الفهم يمكّنه من مساءلة المستشار، لا الاكتفاء بتصديقه!
وهنا لا بد من توضيح نقطة أساسية: المشكلة ليست في أن يكون النائب غير حاصل على شهادة جامعية! فالشهادة ليست مقياساً نهائياً للذكاء، ولا ضمانة للنزاهة، ولا دليلاً قاطعاً على الحكمة! قد تجد إنساناً لم يدخل الجامعة يمتلك فهماً عميقاً للمجتمع، وقد تجد صاحب أعلى الشهادات عاجزاً عن اتخاذ قرار سليم! المشكلة الحقيقية في الفارق بين امتلاك الحق في اتخاذ القرار، وامتلاك المعرفة اللازمة لفهم عواقبه!
فالانتخابات تمنح السياسي شرعية تمثيل الناس، لكنها لا تمنحه تلقائياً المعرفة الاقتصادية أو القانونية أو العلمية التي يحتاج إليها لتقييم السياسات التي يصوّت عليها! كما أن الفوز بأصوات الناخبين لا يحوّل الرأي الشخصي إلى حقيقة، ولا يجعل القرار صحيحاً لمجرد أن صاحبه وصل إلى السلطة بطريقة قانونية!
لكن حين ننقل هذه المفارقة إلى الواقع العربي، تظهر أسئلة أكثر إلحاحاً! كيف يُختار المرشح في بعض مجتمعاتنا؟! هل على أساس كفاءته وقدرته على فهم المشكلات العامة، أم على أساس انتمائه العائلي أو العشائري أو الطائفي أو الحزبي؟! هل يُقيَّم بما يقدّمه من معرفة وبرامج وحلول، أم بقدرته على توزيع الوعود، واستثمار الولاءات، واستثارة المشاعر، وتقديم نفسه ممثلاً لجماعة في مواجهة جماعة أخرى؟!
لا يصح أن نعمّم هذه الصورة على جميع الدول العربية أو جميع السياسيين فيها، لكن يصعب أيضاً تجاهل أن هذه الآليات تظهر في بعض البيئات السياسية، حيث تتراجع البرامج أمام الولاءات، وتصبح هوية المرشح أهم من قدرته على فهم الملفات التي سيشرّع بشأنها! وهنا لا تعود المشكلة نقصاً في المعرفة فحسب، بل خللاً في معايير الاختيار نفسها!
لكن هل المشكلة في الناخب وحده؟! بالطبع لا! فمن السهل إلقاء اللوم على المواطن وتجاهل الظروف التي تشكّل خياراته! ففي بعض المجتمعات يعيش الناس تحت ضغط اقتصادي شديد، وفي ظل مؤسسات ضعيفة، وأنظمة تحدّ من المنافسة السياسية الفعلية، فيصبح التصويت امتداداً لعلاقة منفعة أو حماية، لا مفاضلة بين البرامج والكفاءات! ولا يصح أن نحاسب المواطن وحده على نتائج نظام لا يملك السيطرة على قواعده! فقد يُلام الناخب على اختياره نائباً ضعيف الكفاءة، بينما لا يُسأل أحد عن النظام الذي سمح بوصوله، ولا عن غياب الرقابة، ولا عن المؤسسات التي لم توفر للناس معلومات كافية لتقييم المرشحين!
بل يتجاوز السؤال الأشخاص إلى المؤسسة نفسها! فما قيمة الانتخابات إذا كانت صلاحيات البرلمان محدودة، وقدرته على مراقبة الحكومة ضعيفة، والقرارات الكبرى تُصنع خارج المؤسسات التي يُفترض أن تناقشها؟! قد يمتلئ البرلمان بأصحاب الشهادات والخبرات، ومع ذلك لن يضمن وجودهم تشريعاً مسؤولاً إذا لم يمتلكوا القدرة الفعلية على المناقشة والاعتراض والمساءلة! ولهذا لا يبدأ الإصلاح من صندوق الاقتراع وحده، ولا ينتهي عند اختيار أشخاص أكثر تعليماً! إنه يحتاج إلى مؤسسات مستقلة، ومعلومات متاحة للجمهور، ومنافسة سياسية حقيقية، وقواعد تمنع تضارب المصالح، وآليات واضحة لمحاسبة من يسيء استخدام السلطة!
فهل ينبغي أن نطالب كل نائب بمؤهل جامعي قبل السماح له بدخول البرلمان؟! ليس بالضرورة! فالمجتمع ليس جامعة، والبرلمان ليس هيئة أكاديمية، والمواطن الذي أمضى حياته في العمل أو الزراعة أو الصناعة أو التجارة قد يمتلك معرفة واقعية بمشكلات الناس لا توفرها الشهادات وحدها! كما أن حصر السياسة في أصحاب المؤهلات قد يحوّل السلطة إلى امتياز لنخبة تعليمية، ويقصي فئات واسعة من المجتمع، من دون أن يضمن نزاهة من يبقى فيها!
لكن رفض اشتراط الشهادة لا يعني القبول بغياب التأهيل! ينبغي أن يخضع كل نائب، فور فوزه، لبرنامج تأهيلي جاد في فهم الدستور وآليات التشريع والمالية العامة ومبادئ الاقتصاد وتضارب المصالح! وينبغي أن تُلزَم المؤسسات التشريعية بنشر دراسات الأثر الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لكل قانون قبل التصويت عليه، والاستعانة بخبراء مستقلين، وإعلان الأدلة والمبررات التي استندت إليها قراراتها! وينبغي أن يعرف المواطن كيف صوّت ممثله، ولماذا، وما المصالح التي قد تتأثر بقراره، وما الذي أنجزه خلال ولايته! وهذه ليست دعوة لإقصاء الناس عن السياسة، بل لتحويل المسؤولية السياسية إلى مسؤولية حقيقية، لا مجرد مقعد وحصانة وخطابات انتخابية!
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن تتحول السلطة إلى مكافأة على الشعبية، وأن يصبح الوصول إلى القرار العام دليلاً كافياً على القدرة على اتخاذه! فالسياسي قد يكون بارعاً في فهم الجمهور، لكنه ضعيف في فهم الاقتصاد! وقد يكون مؤثراً في الخطابة، لكنه عاجز عن التمييز بين الدليل العلمي والدعاية! وقد يكون صادق النية، لكنه يتخذ قرارات كارثية لأنه لا يعرف حدود معرفته! وهذا لا يخص العرب وحدهم، فهو خطر موجود في الديمقراطيات العريقة أيضاً، لكنه يشتد حين يجتمع ضعف التأهيل مع ضعف المؤسسات وتراجع المساءلة!
فالقانون ليس منشوراً انتخابياً، والبلاد ليست مختبراً لتجارب السياسيين، وحياة الناس ليست ثمناً يدفعونه مقابل أخطاء من اختاروهم! والديمقراطية تمنح المواطن حق المشاركة في اختيار من يمثله، لكنها لا تجعل كل قرار يتخذه ممثله صحيحاً، ولا تعفيه من المسؤولية عن النتائج! كما أن شرعية الصندوق لا ينبغي أن تتحول إلى حصانة ضد النقد، أو ذريعة لتبرير الجهل، أو تفويض مفتوح لمن يجيد إقناع الناس!
وربما لا تكمن المشكلة الكبرى في أن يحكمنا شخص لا يحمل شهادة جامعية، بل في أن نقبل نظاماً لا يهمه إن كان يفهم ما يقرره، ولا يضمن أن يستمع إلى من يعرف، ولا يتيح محاسبته بفاعلية حين يخطئ!
فأخطر أنواع الجهل ليس أن تجهل شيئاً، بل أن تمتلك سلطة تقرير مصير الآخرين، من دون أن تدرك أصلاً ما الذي تجهله!