اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية المقالات حين يتحول كل شيء إلى تفسير واحد! (سلسلة: حين يخطئ التشخيص!)

حين يتحول كل شيء إلى تفسير واحد! (سلسلة: حين يخطئ التشخيص!)

0
حين يتحول كل شيء إلى تفسير واحد! (سلسلة: حين يخطئ التشخيص!)


هناك خطأ نكاد لا نلاحظه حين نخرج من خطأ آخر! قضينا هذه السلسلة كلها نتحدث عن خطر القول إن كل شيء نفسي، وكيف يتحول هذا التفسير إلى باب يُغلق خلفه الطبيب احتمالات كثيرة! لكن هناك خطراً آخر لا يقل قسوة، وهو أن ننتقل من طرف إلى طرف، فنقرر أن كل شيء جسدي، أو كله بكتيريا، أو كله غلوتين، أو كله التهاب، أو كله سموم تنتظر من يطردها من أجسادنا!

المشكلة ليست في البحث عن الأسباب الجسدية، ولا في اكتشاف دور البكتيريا أو المناعة أو الالتهاب أو الهرمونات في بعض الأمراض! المشكلة تبدأ حين يتحول اكتشاف جزئي إلى تفسير شامل، وننتقل من القول إن عاملاً ما قد يساهم في حالة معينة إلى الاعتقاد بأنه المفتاح السري لكل ما يحدث للإنسان! فالعقل الذي ملّ من تفسير واحد لا يتحرر بالضرورة من الاختزال، بل قد يبحث عن تفسير واحد جديد أكثر إثارة، فيهرب من عقيدة ليقع في أخرى، دون أن يغيّر طريقة تفكيره، بل موضوع اعتقاده فقط!

ولماذا نحب التفسير الذي يشرح كل شيء أصلاً؟! لأن الغموض مرهق! أن يعيش الإنسان سنوات مع ألم لا يعرف سببه، أو اكتئاب لا يفهم منشأه، ثم يسمع تفسيرات متناقضة، قد يستنزف ثقته بنفسه وبالعلم وبمن حوله! وفي هذه اللحظة يصبح ظهور تفسير واضح أشبه بطوق نجاة؛ يأتي أحدهم ليقول إن المشكلة كلها في الأمعاء، أو في بكتيريا معينة، أو في الغلوتين، فيصبح لكل ألم عدو، ولكل معاناة حل يبدو ممكناً! 

لكن هل يعني شعورنا بالراحة أمام تفسير ما أنه صحيح؟! بالطبع لا! فالراحة التي يمنحنا إياها التفسير ليست دليلاً على صحته، مثلما أن خوفنا من احتمال ما لا يجعله خاطئاً! نحن قد نختار ما نصدقه لأنه يخفف قلقنا، ويعيد إلينا إحساس السيطرة، ويمنح معاناتنا اسماً وخطة، لا لأن أدلته أقوى! ولهذا نكون أكثر عرضة للتفسيرات الشاملة في لحظات ضعفنا، خصوصاً إذا جاءت بلغة علمية ومصطلحات معقدة، ووعدتنا بأن ما عجز عنه الآخرون أبسط مما نتخيل!

والعلم نفسه لا يعمل بهذه الطريقة! فهو يبدأ بسؤال، ثم فرضية، ثم بحث عن أدلة تؤيدها أو تضعفها، واختبار لحدودها قبل توسيع نطاقها! لكن ما يحدث أحياناً في تداول المعلومات الطبية على الإنترنت أن الفرضية تقفز فوق هذه المراحل لتصل إلى الجمهور حقيقة مكتملة! تظهر دراسة تشير إلى ارتباط بين الالتهاب وبعض حالات الاكتئاب، فيتحول الخبر إلى أن الاكتئاب التهاب! وتكشف أبحاث علاقة بين ميكروبات الأمعاء وبعض الوظائف العصبية، فيصبح كل اضطراب نفسي مشكلة في الأمعاء! ويثبت أن الغلوتين يضر من يعانون من الداء البطني، فيعامله آخرون كأنه عدو خفي لجميع البشر! لكن الارتباط ليس سببية، والسببية في حالة معينة لا تعني الشمول، والنتيجة التي تظهر عند مجموعة من المرضى لا تتحول تلقائياً إلى قاعدة تنطبق على كل إنسان! 

ولهذا فإن السؤال العلمي الجيد ليس فقط: هل توجد علاقة؟! بل: ما طبيعتها؟! وهل سبق العامل النتيجة أم جاء بعدها؟! وهل تتكرر في دراسات مستقلة؟! والأهم: ما الذي قد يجعلنا نراجع فرضيتنا إذا ظهرت أدلة تخالفها؟! فالفكرة التي لا تسمح لنفسها بأن تُختبر لا تصبح علمية لمجرد أنها تستخدم مفردات العلم!

وهذا يقودنا إلى خطأ آخر قريب منه، وهو أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة! أن تكون بكتيريا ما سبباً في حالة معينة لا يعني أنها سبب كل حالة مشابهة! وأن يتحسن مريض بعد علاج عدوى محددة لا يعني أن كل من يعانون الأعراض نفسها يحتاجون العلاج ذاته! وأن يستفيد شخص من تغيير نظامه الغذائي لا يعني أن هذا النظام علاج لكل من يعاني التعب أو الاكتئاب! هذه ليست تفاصيل صغيرة، بل هي الفروق بين التفكير العلمي والتعميم! تخيلوا شخصاً عانى سنوات ثم اكتشف مرضاً جسدياً لم يُشخَّص في وقته! من الطبيعي أن يغضب، وقد يكون غضبه محقاً تماماً إذا جرى تجاهل أعراضه! لكن الخطر يبدأ حين تتحول تجربته، مهما كانت حقيقية ومؤلمة، إلى نظرية شاملة يفسر بها تجارب الآخرين، فيقول إن الأطباء مخطئون دائماً، وإن كل اكتئاب أو قلق يخفي عدوى أو خللاً مناعياً! التجربة الفردية مهمة، وقد تكون بداية اكتشاف مشكلة أغفلها العلم، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن ما وجدناه عند شخص يفسر ملايين الحالات الأخرى! حتى تحسن مريض بعد تدخل معين لا يثبت وحده أن التدخل هو السبب، فقد تتغير الأعراض تلقائياً، أو يتزامن العلاج مع عوامل أخرى، أو تلعب التوقعات دوراً! ولهذا نحتاج دراسات مصممة جيداً، تميّز بين ما نلاحظه وما نستطيع إثباته!

وفي المقابل، يجب ألا نتصور أن اكتشاف الأسباب البيولوجية ينتقص من التجربة النفسية، فالجسد ليس بريئاً من النفس، والنفس ليست منفصلة عن الجسد! الحزن ليس وهماً لأننا لا نستطيع اختزاله في تحليل مخبري! والصدمة ليست أقل واقعية لأنها لا تظهر في صورة علامة واضحة على جهاز طبي! والوحدة والضغط المستمر والفقد أسباب حقيقية ومؤلمة، ولا يصبح الفقد أقل إيلاماً لأن صاحبه لا يعاني التهاباً يمكن قياسه في الدم! وفي الوقت نفسه، وجود معاناة نفسية لا يمنع أن يكون لدى الإنسان مرض جسدي يحتاج إلى التشخيص، فقد يتزامن الاكتئاب مع اضطراب في الغدة الدرقية أو مع مرض التهابي! فليس مطلوباً أن نختار بين تفسير نفسي وآخر جسدي كأنهما فريقان متنافسان، فالإنسان كائن تتفاعل فيه العمليات البيولوجية مع الخبرات النفسية والظروف الاجتماعية! وقد يكون السؤال الأصح: ما العوامل التي ساهمت في ظهور هذه الحالة، وكيف تتفاعل، وأيها يحتاج إلى تدخل الآن؟! فحين نتوقف عن البحث عن سبب واحد، نبدأ في البحث عن صورة أكثر اكتمالاً!

ولا ننسى أن التفسير الواحد لا ينتشر دائماً لأنه الأقوى علمياً، بل قد ينتشر لأنه الأكثر جذباً للانتباه، أو لأنه يقدم قصة سهلة التذكر! في فضاء الإنترنت قد تنتصر الفكرة الأكثر إثارة لا الأكثر دقة؛ عنوان يعلن أن سبب الاكتئاب الحقيقي قد اكتُشف أخيراً يجذب أكثر من عنوان يقول إن دراسة وجدت ارتباطاً لدى مجموعة محددة وإن النتائج تحتاج مزيداً من البحث! ثم يأتي من يحوّل الفكرة إلى دورة مدفوعة، أو مكمل غذائي، أو قائمة طويلة من الممنوعات! لا يعني ذلك أن كل من يقدم علاجاً يستغل الناس، ولا أن كل علاج غير تقليدي بلا فائدة، لكن من حقنا أن نسأل عن قوة الأدلة والمخاطر والمصالح التي قد تؤثر في عرض النتائج! فحين يعدنا أحدهم بأن تفسيراً واحداً سيحل مشكلات كثيرة مختلفة، علينا أن نكون أكثر حذراً لا أكثر انبهاراً! وحين يطلب منا أن نرفض كل التفسيرات الأخرى قبل أن نعرف الأدلة، فنحن أمام محاولة لاستبدال سلطة بأخرى، لا دعوة إلى التفكير الحر!

وحين يعجز الطب عن تفسير أعراض شخص، تظهر أحياناً قفزة خطيرة: ما دام الأطباء لم يجدوا السبب فهو مخفي، وما دام مخفياً فلا بد أنه ما تقوله هذه النظرية تحديداً! لكن عدم معرفة السبب لا يثبت صحة أي تفسير بديل، بل يثبت فقط أن معرفتنا غير مكتملة! وهناك فرق كبير بين أن نقول إن الطب لم يفسر حالة تفسيراً كاملاً، وأن نقول إننا نعرف سببها الحقيقي رغم غياب الأدلة؛ الأولى اعتراف بحدود المعرفة، والثانية ثقة زائدة تتخفى وراء لغة اكتشاف الحقيقة! والشك العلمي ليس عدواً للعلم، فهو لا يعني رفض كل دليل لا يوافقنا، بل يعني أن تتناسب ثقتنا بالنتائج مع قوة أدلتها! وهو لا يمنعنا من اتخاذ القرارات، ولا يفرض انتظار اليقين الكامل قبل العلاج، بل يساعدنا على قرارات أفضل مع الاستعداد لمراجعتها حين تظهر معلومات جديدة! وهنا تظهر قيمة الطبيب الذي يقول: لا أعرف بعد، والذي يراجع تشخيصه حين تتغير المعطيات، والمريض الذي يشارك في فهم حالته دون أن يصبح أسيراً لأول تفسير يسمعه!

فماذا نفعل إذن حين لا نجد سبباً واحداً؟! الجواب ليس أن نبحث عن كل مرض ممكن أو نخضع لكل تحليل متاح يومياً، فالإفراط في الفحوص (وسواس) قد يؤدي إلى اكتشافات عرضية لا علاقة لها بالأعراض، وقد يخلق قلقاً جديداً، وقد يدفع إلى علاجات لا يحتاجها المريض أصلاً! المطلوب بحث منهجي لا عشوائي؛ أن ننطلق من الأعراض والتاريخ الصحي والفحص السريري، ونختبر الاحتمالات التي تدعمها المعطيات، ونوسع دائرة البحث حين لا تكفي النتائج أو تتغير الصورة! وإذا لم ينجح التفسير الأول فلا نتمسك به لمجرد أننا بدأنا منه، ولا نقفز مباشرة إلى أكثر التفسيرات غرابة! وفي الوقت نفسه لا يجوز أن تتحول عبارة “لا يوجد سبب واضح” إلى حكم بأن المريض يتوهم، فغياب التشخيص المكتمل لا يساوي غياب المرض! وكذلك لا ينبغي أن تتحول رغبتنا في سبب جسدي إلى حميات قاسية، أو مكملات غير ضرورية، أو إيقاف أدوية موصوفة دون مراجعة الطبيب، فالسعي إلى الفهم يجب ألا يصبح مصدر ضرر جديد!

وإذا كان هناك درس واحد أتمنى أن يبقى بعد هذه السلسلة، فهو ألا نستبدل اختزالاً باختزال، وألا يدفعنا غضبنا من الأخطاء السابقة إلى أخطاء جديدة! نعم، من الخطأ أن نفسر كل الأعراض على أنها نفسية! لكن من الخطأ أيضاً أن نقرر أن كل معاناة نفسية تخفي مرضاً جسدياً لم يكتشفه أحد، أو أن كل اكتئاب سببه الالتهاب، أو أن هناك سبباً سرياً واحداً ينتظر أن نعثر عليه! فالحالات تختلف، والأسباب تختلف، وما ينفع مريضاً قد لا ينفع غيره! وحين نحب الفكرة أكثر مما نحب الحقيقة، نبدأ نبحث عما يؤيدها ونتجاهل ما يضعفها، فنستخدم الواقع لتبرير ما نؤمن به، لا لفهمه!

ربما تكون الشجاعة الحقيقية ليست في أن نعثر على جواب واحد يريحنا، بل في أن نتحمل السؤال مفتوحاً مدة أطول، ونواصل البحث دون أن نسمح لرغبتنا في اليقين بأن تتقدم على الأدلة! فالتفسير الذي يشرح كل شيء ويستبعد كل ما عداه يجب أن يثير شكوكنا أكثر مما يطمئننا، سواء جاء من عيادة نفسية، أو مختبر، أو مقال على الإنترنت، وحتى لو جاء من كاتب نحبه!

فالمشكلة لم تكن يوماً في أن نفسر الإنسان تفسيراً نفسياً أو جسدياً أو اجتماعياً! المشكلة أن ننسى أن التفسير، مهما بدا مقنعاً، يظل محاولة لفهم الإنسان، وليس الإنسان نفسه!