اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية المقالات حين يكسر الضحك جبال الجمود!

حين يكسر الضحك جبال الجمود!

0
حين يكسر الضحك جبال الجمود!

التقيا في صفحتي، فأعجب كلٌّ منهما بالآخر، وتراسلا، ثم تعارفا، ثم تعلّق أحدهما بالآخر! شكراني لأن صفحتي كانت السبب في ذلك، فنصحتهما بالتعارف الشخصي وبأسرع وقت، لأنني لا أؤمن بالتعارف الإلكتروني! الشاشة مرآة مُجمَّلة، تُظهر من الإنسان أجمل ما فيه وتُخفي ما سواه، ومن يُحِبّ صورةً فقد أحبّ نصف حقيقة، وقد يُحبّ ظلّه هو لا الآخر! فنصحتهما بأن يلتقيا قبل أن يتعلّقا أكثر، ثم يصدمهما الواقع!

وهذا ما حصل فعلاً، لكن بخاتمة أجمل مما توقعت! ولأن صفحتي كانت السبب في ذلك، أصبحتُ “حماهما” (عمّهما) بطريقة ما! باتا يُدخلانني في كل كبيرة وصغيرة، باسم الاستشارة وطلب النصح! أحبّا بعضهما، وما هي إلا فترة حتى تزوجا! وبعد وقت وجيز من “التشيكي ميكي الحلال ولعبة بيت بيتون”، رُزقا بطفل جميل!

كل هذا كان قبل سنوات! ومنذ فترة جاءني اتصال منهما، يطلبان تدخلي لحل هذا الجمود الذي حلّ بينهما! وأكثر ما أعجبني فيهما أنهما اتفقا على الاستعانة بمن يثقان به، تماماً كما طلبتُ منهما قبل سنوات، ألا يخجلا من طلب المساعدة (من غير الأهل)، سواء من شخص غريب، أو من مختص، أو حتى من مستشار نفسي مختص بالعلاقات! فهل الاعتراف بالحاجة إلى العون ضعف؟! طبعاً لا؛ بل هو أول علامات النضج النفسي، فالذي يظن أنه قادر على حمل كل شيء وحده، ينتهي غالباً بأن ينهار تحت ما حمل!

كانت المكالمة بالفيديو، يجلسان جنباً إلى جنب، يلوم كلٌّ منهما الآخر على أشياء تافهة جداً! لكن التراكم جعلها كالجبال! وهذا ما تفعله الأيام بالقلوب، فالخلاف الكبير نادراً ما يهدم بيتاً، أما الحصى الصغير الذي لا يُنزَع من الحذاء كل يوم فيُدمي القدم حتى يعجز صاحبها عن المشي! والحساسية المفرطة التي ترافق التعب النفسي تصنع من اللاشيء قصة درامية مقيتة، لأن النفس المُنهَكة لا ترى الناس كما هم، بل ترى فيهم ما أتعبها!

ولأنني مدرك لهذه الحقيقة، قاطعتُ نقاشهما الذي يبدو من نبرته أنه عتاب داخلي دفين على أمنيات لم تتحقق! فخلف كل شكوى صغيرة حلم كبير لم يجد من يسمعه! وكان عليّ أن أكسر بعض الحواجز التي بُنيت خلال أشهر أو سنوات! وما من مطرقة تكسر هذا الجبل من الجمود كما تفعل مطرقة الضحك!

فقلتُ للرجل: عزيزي فلان، ألا تعلم أن لكل مشكلة في العلاقات طرفين وليس طرفاً واحداً؟! فلا تكذب على نفسك وترمِ بالذنب على زوجتك، فكل انكسار في العلاقات له طرفان: الزوجة… ووالدتها! وهنا بدأ الضحك يعمّ المكالمة، فبعد أن كانت تتهيأ لتقول له: “شفت أنو معي حق”؟!، فاجأتها بما قلتُه بطريقة ساخرة! فأكملتُ كسر الجبال: دع المزاح جانباً، فأحياناً تكون المشكلة أكبر من ذلك، ويشترك فيها ثلاثة أو أربعة أطراف! (وهنا ظنّا أنني سأقول الزوج والزوجة وأهل كل منهما!) فقلت: الزوجة والأم وصديقتها! وأحياناً الحرباء التي تُسمّى الخالة! فضحكا حتى بانت نواجذهما!

وهنا تتجلى حقيقة يعرفها علماء النفس جيداً: الضحكة المشتركة تُسقط الدفاعات! فالإنسان لا يستطيع أن يضحك ويتمترس في الوقت نفسه، وحين يضحك الزوجان معاً يتذكران لحظة أنهما فريق واحد في وجه المشكلة، لا خصمان في وجه بعضهما! وقد قال القدماء إن الحكمة ضالّة المؤمن، وأقول إن الضحك أقصر طريق إليها!

وبعد أن تهدّم بعض الجليد بينهما، بدأتُ أفتح أعينهما على أشياء لم يلتفتا إليها مع مرور السنين، وهي من كانت تصنع تلك الجبال! وذكّرتهما بنصيحتي الأولى التي عملا بها، وهي ضرورة قراءة كتاب “لغات الحب الخمس”، الذي استطاعا من خلاله فهم لغات بعضهما! فكم من حبّ يموت لا لأن القلب انطفأ، بل لأن أحدهما يتكلم الفرنسية والآخر لا يفهم إلا اليابانية! (وهنا لا أقصد اللغات المحكية)!

ومن ضمن الأحاديث الأخرى، سألتُ الزوجة عن تقصيره في أي شيء آخر، كالمال وما شابه، فقالت لي حرفياً: حرام، من هالناحية أبداً ما عم يقصّر، رغم الوضع الكارثي في سوريا!

فقلتُ لها: عزيزتي، الرجل كما تعلمين وكما أخبرتُك سابقاً، لا يتكلم كثيراً ولا ينتبه لتفاصيل كثيرة، بعكس المرأة! وأشدّد على كلمة “رجل”! فما نراه اليوم من “الزلم” عكس طبيعة الرجل تماماً، فاللتّ والعجن والقيل والقال ونقل الكلام وسرد القصص باتت صفة الزلم وغلبوا فيها النساء! فلا تعتبي كثيراً على رجلك لقلة كلامه وانتباهه، فهو ليس أنتِ وأنتِ لستِ هو! أنتما تُكمّلان بعضكما ولستما واحداً كما تقول أساطير الحب والغرام! فالحب الناضج ليس ذوباناً في الآخر، بل هو شخصان كاملان يختاران كل يوم أن يمشيا جنباً إلى جنب!

وأنتما الآن في وضع صعب على الجميع، مادياً ونفسياً! وأنتِ تعلمين أنك بجانب رجل حقيقي، وسأخبرك بما يفكر فيه طيلة الوقت، خاصة حين يكون خارج المنزل! كيف سيؤمّن كل حاجات بيته وحبيبته وطفله وسط كل هذا الجفاف المادي؟! وكيف سيحميكما من الحالات نفسها التي يقرأ ويسمع عنها كل يوم: اعتداء وخطف وقتل؟! هذه الأشياء وحدها تجعل الرجل يعود إلى المنزل مثقلاً بجبال من الهموم! وهنا يتجلى ما نسميه في علم النفس “العبء الصامت”، فكثير من الرجال يحملون قلقهم كما تحمل الأرض جبالها، دون أن يشتكوا!

ولا تأخذي كلامي مبرراً في حال تغيّر بشكل جذري، أو بات عنيفاً، أو يخونك، أو يلعب القمار أو ما شابه! بل خذيه في عين الاعتبار ضمن متطلباتك منه في الحب والحنان! ولا تنسي أن كثيراً من الرجال الحقيقيين لا يعبّرون دائماً بالكلام عن حبهم لزوجاتهم، فأغلبهم يكون تعبيرهم في التصرفات، وفي الحماية! وبعد جولة من تذكيرها بما قلتُه لها منذ سنوات، وهي سنوات تخللتها بعض المشاكل، لكنها كانت جميلة بينهما لأنهما أصغيا إلى نصائح واعية!

أما الزوج، فأخبرتُه بضرورة مراعاة خوفها على مملكتها (منزلها)! ربما لا تقول لك: أنا خائفة من خروجك واحتمال عدم عودتك، لكنني أؤكد لك أن هذا الخوف موجود! يكفي أن تقرأ عن بعض الحالات التي تحدث هنا وهناك، حتى يتسلل الخوف إليها بشكل غير مباشر، وربما لا تستطيع التعبير عنه بشكل صحيح! لذلك تجدها تستقبلك بالعتاب بدل “الحمد لله على سلامتك”، عتاب الأحبة! وهي طبعاً طريقة خاطئة، لكن الخوف حين لا يجد لساناً يتحول إلى لوم، وهذا ما يسميه علماء النفس “الإزاحة”، أن يخرج القلق متنكراً في ثوب الغضب! وأنتما واعيان، وعليكما أن تتحدثا بطريقة أهدأ كما تفعلان الآن، وهذه الطريقة هي التي جلبت الضحكات! نعم، لا تستغرب، فالضحك في العلاقات من أهم الأسرار التي تحفظها!

وشاركها ببعض همومك! وأعلم أن هذا صعب على الرجال، فمن طبيعة الرجال الحقيقيين ألا يُشركوا نساءهم في همومهم كي لا تُعدّ نقاط ضعف فيهم، وهذه هي الفطرة! ومن ناحية أخرى، الرجل من شدة حبه لها لا يريدها أن تحمل هموماً كبيرة تؤثر عليها! لكن لا بأس ببعض المشاركة البسيطة، خاصة إذا كانت للرجل امرأة حكيمة كما هي الحال عندك! وتكلما مع بعضكما بنبرة الخاطبين، فتحلّ مشاكلكما وحدها، إن وُجدت أصلاً!

وبعد حديث طويل استهلك كل طاقتي، شكرتُهما على ثقتهما بي (تلك التي لم أطلبها، والتي حمّلتني مسؤولية من حيث لا أدري!)، وختمنا المكالمة ببعض المزاح!

أعزائي المتزوجين والعشّاق، تذكروا أين أنتم فقط! فالمحيط الذي تعيشون فيه يؤثر في كل شيء بينكما، وتذكروا أن الإنسان ابن بيئته! فالحب نبتة، لا تنمو في الأرض التي تملؤها الأشواك مهما كان البستاني ماهراً! وبعض الحكمة لا تضرّ قبل أن تتسرعوا!

وابتعدوا عن الميديا في هذه الأيام السافلة!

فما ترونه في كل مكان من أبناء سوق الجمعة الكثر يجعل حياتكم كلها قلقاً في قلق حدّ الوسواس! فهذا ينصح بألا تأكل شيئاً، وآخر يقدّم نصائح خالية من الفهم، لا تراعي المكان ولا الزمان ولا الحالات الفردية ولا الحياة المادية! وكل هذا المحتوى الذي يدخل رؤوسكم بطريقة إجبارية، يدمّر العلاقات والحب والتفاهم بكل السبل!
فاحموا بيوتكم من ضجيج العالم، فالسكينة لا تُوهَب، بل تُصنَع!