
شاهدتُ مؤخراً أحد تلك الفيديوهات التي تنتشر كالنار في الهشيم على منصات التواصل الاجتماعي، يقول صاحبها بكل ثقة واطمئنان: كلما ازداد ذكاء الرجل، ابتعد عن الزواج! وكأنه يقدم لنا نظرية علمية مؤكدة مدعومة بأبحاث ودراسات دقيقة!
وأنا أعترف بصدق وبلا مواربة – هذا الكلام داعب غروري قبل أي شيء آخر! شعرتُ للحظة بذلك الدفء الخفي الذي يشعر به الإنسان المغفل حين يُقال له: أنت لستَ فاشلاً ولا خائفاً ولا عاجزاً، أنت ببساطة أذكى من أن تقع في هذا الفخ!
لكن دعونا نكن صادقين مع أنفسنا ومع العقل الذي نزعم امتلاكه: هذه الجملة ليست تحليلاً، بل مجاملة مُقنَعة بلباس الفلسفة! هي تقول للرجل العازب: أنت فيلسوف رفض الانزلاق في المستنقع!
وهذا النوع من التفسير لا يشرح الظاهرة، بل يخدّرها ويمنعنا من رؤيتها على حقيقتها!
الحقيقة أبسط في طرحها وأقسى في مضمونها: الرجال لا يهربون من الزواج لأنهم أذكياء، بل لأن الحساب بات لا يستقيم! وحين يختل ميزان المعادلة، لا يحتاج المرء إلى ذكاء استثنائي ليرى ذلك – يكفيه عقل سليم ونظرة فاحصة!
ولكي نفهم هذا الاختلال، لا بد أن نبدأ من نقطة مهمة: لا يوجد إنسان على وجه هذه الأرض وُلد وفي قلبه نفور حقيقي من تكوين أسرة! الرغبة في الانتماء، في الدفء الإنساني، في أن تجد شريكاً تبني معه شيئاً يبقى بعدك – هذه ليست ثقافة اكتسبناها، بل هي جزء لا يتجزأ من التركيبة البيولوجية والنفسية للإنسان منذ فجر التاريخ!
علم الأعصاب يخبرنا أن الدماغ البشري مُبرمَج على البحث عن الارتباط العاطفي! الأوكسيتوسين، هرمون الترابط، يفرز بشكل طبيعي عند التواصل الإنساني العميق! الدراسات تُظهر باتساق أن المتزوجين يعيشون أطول وأكثر صحةً ورضاً في المتوسط! وهذا وحده دليل كافٍ على أن الزواج لا يتعارض مع الفطرة، بل يُغذّيها!
إذن ما الذي تغيّر؟!
ما يحدث اليوم ليس تحولاً في الرغبة، بل تحولاً في الحساب! الرجل لم يتوقف عن الحلم بالأسرة الدافئة، لكنه بدأ يجري بصمت حساباً بارداً للمخاطر! وهذا الحساب البارد هو من يقف عائقاً أمام القرار، لا غياب الرغبة!
نعم، الرجل يريد الزواج! لكنه يرى في الأفق صورة مخيفة: أصدقاءه الذين طُحنوا في محاكم الطلاق، منازل بيعت وأموال أُنفقت وأطفال انتُزعوا بقرارات قضائية!
وحين يرى هذه الصورة مراراً، تنشأ لديه حالة يسميها علم النفس التعلم بالمراقبة، فيتوقف! ليس لأنه لا يريد، بل لأنه يخاف أن يريد!
وأول مظاهر هذا الحساب البارد يظهر في أبسط خطوة ممكنة، وهي خطوة التعارف نفسها!
شاهدتُ مؤخراً فيديو لامرأة تطرح سؤالاً يبدو بريئاً في ظاهره: لماذا لم يعد الرجل يُكلّم المرأة بهدف التعارف؟!
وكانت إجابات مئات الرجال في التعليقات متطابقة بشكل لافت يكاد يكون مخيفاً!
الرجال يقولون بوضوح: لأن مجرد الاقتراب بات سلاحاً بيد من لا تريد التعارف أصلاً! بمجرد أن يقف رجل أمام امرأة في الشارع أو في المقهى أو في المركز التجاري ليقول بكل أدب: أنتِ أعجبتيني، هل يمكننا التعارف؟! يجد نفسه في دائرة خطر حقيقية!
ففي كثير من الدول الغربية، وفي تزايد ملحوظ في القوانين العربية المستوردة منها، بات مفهوم التحرش اللفظي مطاطاً بشكل خطير!
الحدود بين التحرش الحقيقي المدان أخلاقياً وقانونياً وبين التعبير المحترم عن الإعجاب باتت ضبابية عمداً في الكثير من الأحيان!
والنتيجة رجل يقول بأدب تامّ: أنتِ جميلة، هل تقبلين تبادل أرقام التواصل؟!
يمكن لبعض النساء تحويل هذا الموقف إلى بلاغ رسمي! وفي ظل ثقافة اجتماعية وإعلامية تفترض ذنب الرجل مسبقاً وتضع عليه عبء إثبات البراءة، فإن مجرد الاتهام يصبح عقوبة في حد ذاته!
وما يُثير القلق الحقيقي ليس القانون في حد ذاته، فالقانون الذي يحمي المرأة من التحرش الحقيقي ضرورة حضارية لا نقاش فيها!
ما يُثير القلق هو توظيف هذا القانون أداة للابتزاز أو لرفض أي تواصل إنساني طبيعي وتصنيفه فوراً جريمة!
هناك نساء، وهن أقلية لكنهن موجودات وتأثيرهن ممتد، تحوّل عندهن فكرة الاتهام إلى ورقة ضغط! ليس لأن رجلا آذاهن فعلاً، بل لأن الأداة متاحة والنظام يميل لصالحهن والرجل يملك أقل الموارد للدفاع عن نفسه في مواجهة اتهام كهذا!
والرجل الذكي يرى هذا! فيصمت! ليس جبناً، بل حسابَ مخاطر!
وهذا الصمت له ثمن باهظ يدفعه الجميع! المرأة التي تريد تعارفاً حقيقياً تجد نفسها في بيئة اجتماعية معقمة من المبادرة الذكورية!
الرجل الذي يريد أسرة يجد نفسه خائفاً من الخطوة الأولى! والمجتمع يفقد تدريجياً قدرته على تكوين الروابط الإنسانية الطبيعية التي كانت تحدث منذ فجر البشرية في الأسواق والطرقات والمجالس!
تطبيقات المواعدة ملأت الفراغ، لكنها خلقت فراغاً آخر أعمق! بدلاً من لقاء إنساني حقيقي مع كل تعقيداته وجماله، أصبح التعارف منظومة تسوّق رقمية يُقيَّم فيها الإنسان بصورة وبضعة أسطر!
فمتى يصبح الحماية ظلماً؟! القانون الذي يحمي المرأة من المتحرش الحقيقي، عادل! لكن حين يُصبح نفس القانون سيفا يُشهَر في وجه كل رجل يجرؤ على إبداء إعجابه بأدب وطريقة إنسانية طبيعية، فهذا القانون بات يُنتج عزلة اجتماعية، لا أمناً اجتماعياً!
والفرق بين الاثنين واضح: التحرش هو الإلحاح بعد الرفض، هو اللمس غير المرغوب، هو تتبع المرأة وملاحقتها، هو التلفظ بكلام مسيء يُخيفها أو يُهينها! أما رجل يقترب بأدب ويقول كلمة إعجاب ويقبل الرفض بهدوء، فهذا إنسان يحاول بناء علاقة، لا مجرم يُستحق الملاحقة القانونية!
وحتى لو تجاوز الرجل مرحلة التعارف بسلام، تنتظره عقبة أثقل: الأعباء الاقتصادية! في عالم ارتفعت فيه تكاليف الحياة بشكل جنوني وتراجعت فيه القدرة الشرائية للأجور، لا يزال الرجل في معظم مجتمعاتنا يواجه توقعات لم تتغير منذ عقود!
المهر والسكن والتجهيز وحفل الزفاف والإعالة اليومية، كل هذا على كتفيه وحده! وحتى في المجتمعات الغربية التي تدّعي المساواة، تكشف الإحصاءات أن الرجل لا يزال المموّل الأساسي في أغلب الأسر! والمفارقة المؤلمة أن المرأة العاملة باتت تطالب بالمساواة في الحقوق، لكن حين يأتي الحديث عن الأعباء المالية للزواج، يصبح الصمت سيد الموقف!
فمنظومة مالية بُنيت على معادلة الرجل يعمل خارجاً والمرأة تدير الداخل، لم تُعَد صياغتها بعد أن دخلت المرأة سوق العمل! فبقي الرجل يتحمل التزاماته القديمة كاملةً، وأُضيف عليها توقعات جديدة! الرجل اليوم يُطلب منه أن يكون المعيل والمدافع والشريك العاطفي والأب الحاضر والصديق المستمع والمحب الرومانسي، كل ذلك في آنٍ واحد! وهذه المعادلة المتضخمة من التوقعات مع شُح الإمكانيات تخلق توتراً هائلاً لا يُحتمل!
وإن نجا الرجل من كل هذه الحسابات ودخل الزواج فعلاً، يبقى أمامه الاحتمال الأكثر إيلاماً: ما يحدث حين يتفكك هذا الزواج! وهو يتفكك اليوم بمعدلات لم يشهدها التاريخ، ليجد الرجل نفسه أمام منظومة قانونية صُمِّمت في حقبة تاريخية مختلفة جداً ولم تواكب التحولات الاجتماعية التي نعيشها!
الحضانة تذهب تلقائياً إلى الأم في معظم الأنظمة القانونية بصرف النظر عن كفاءتها أو ظروفها! النفقة تستمر لسنوات طويلة! والأب يُختزل في رقم يُدفع كل شهر، ويرى أطفاله في مواعيد تحددها المحكمة!
وهناك ظاهرة موجودة وموثقة: نسبة ملحوظة من المطلقات لا يُقدمن على الزواج مرة أخرى! ليس لأنهن لا يرغبن في الاستقرار، بل لأن المنظومة القانونية أعطتهن كل ما يحتجن إليه دون الحاجة إلى عقد جديد! لها الأطفال، وعليه النفقة، وهي حرة تعيش حياتها! هذه المعادلة خلقت حوافز اقتصادية معكوسة لا تخدم لا الرجل ولا المرأة ولا الأطفال ولا المجتمع على المدى البعيد!
وخلف كل هذه الأزمات المتراكمة، التعارف والمال والقانون، تكمن حقيقة أعمق يرفض كثيرون مواجهتها: مفهوم المساواة كما تطرحه الحركة النسوية، والذي لا يختلف في أحاكمه عن الذكوريين!
أعزائي، الرجل والمرأة مختلفان، وهذا ليس رأياً بل علم!
ليس في الذكاء المطلق ولا في القيمة الإنسانية، بل في التركيبة البيولوجية والنفسية وطريقة معالجة العالم!
علم الأعصاب والبيولوجيا التطورية وعلم الغدد الصماء تُجمع على وجود فروقات حقيقية وموثقة! المرأة تميل نحو التفكير الاجتماعي العاطفي والتواصل اللغوي والانتباه للتفاصيل! الرجل يميل نحو التفكير المنهجي التسلسلي والتحليل الانفصالي والمهام المحددة! وهذه ليست صفات ثابتة لكل فرد، لكنها نمط إحصائي واضح ومتسق عبر الثقافات والمجتمعات!
وهذه الفروقات ليست دليلاً على تفوق أحدهما، بل هي تكامل عجيب صنعه التطور على مدى ملايين السنين!
وحين نُنكرها أو نتجاهلها في بناء المنظومات القانونية والاجتماعية، نخلق نظاماً يصطدم بالواقع البشري ويُولّد توترات لا نهاية لها!
فالمساواة في الفرص حق لا جدال فيه! لكن ادعاء التطابق الكامل في الطبيعة والأدوار، هذا إنكار للواقع يُسبّب ضرراً حقيقياً للجنسين معاً!
وهذا الإنكار بالذات يقودنا إلى جذر أعمق للمشكلة، وهو ما آلت إليه فكرة المساواة نفسها! فالنسوية في جوهرها الأصيل كانت حركة عدالة إنسانية مشروعة بامتياز! المرأة التي كانت تُحرم من التعليم والتصويت والميراث والأهلية القانونية، كانت محقة تماماً في المطالبة بحقوقها!
لكن ما حدث بعد ذلك هو أن التيار تجاوز العدالة المشروعة نحو شيء مختلف: إنكار الفروقات الفطرية، وبناء منظومة تُعامل الرجل والمرأة كنسختين متطابقتين مع الاحتفاظ في نفس الوقت بامتيازات الجنس حين تكون نافعة! والازدواجية هي المشكلة الجوهرية: المطالبة بالمساواة الكاملة في الفرص والحقوق القانونية، وهذا مطلب عادل، مع الإصرار على إبقاء الرجل المسؤول الأوحد عن التمويل والحماية والنفقة!
المطالبة بالمساواة في مكان العمل مع إبقاء حق الحضانة حكراً شبه تلقائي على الأم! المطالبة بحق اتخاذ القرارات المستقلة مع إبقاء كل التبعات المالية على كاهل الرجل وحده حتى بعد انتهاء العلاقة! هذا ليس توازناً، هذا اختيار انتقائي للحقوق مع رفض الالتزامات المقابلة!
والمفارقة الأكثر إثارة للانتباه أن أشد نقاد هذا المسار اليوم ليسوا رجالاً، بل نساء! فالمعركة الحقيقية داخل الحركة النسوية لم تعد بين الرجل والمرأة، بل باتت معركة نسائية داخلية بامتياز!
مئات، بل آلاف الناشطات على الإنترنت يرفعن أصواتهن اليوم متهمات التيار النسوي السائد بتشويه العلاقة بين الجنسين وتدمير بنية الأسرة من الداخل! وهذا التمرد النسائي على النسوية نفسها يكشف حقيقة مهمة: أن ابتعاد الرجل عن المخاطرة بالزواج لم يعد قضية ذكورية معزولة يواجهها الرجال وحدهم، بل أصبح أزمة تشعر بها النساء أنفسهن حين يجدن الرجال من حولهن يتراجعون، فيرتفع صوتهن مطالبات بإعادة النظر في المسار الذي أوصلنا إلى هنا!
وفي خضم كل هذا الجدل، هناك ضحية صامتة تُغفلها كلتا الزاويتين: الأطفال! عشرات الدراسات النفسية التنموية تُؤكد أن الطفل يحتاج إلى كلا الوالدين، لا كزينة اجتماعية، بل كضرورة نفسية وتطورية!
الأب يُقدّم نموذجاً للمخاطرة المحسوبة والانضباط والعلاقة مع العالم الخارجي!
الأم تُقدّم نموذجاً للحضن الدافئ والأمان العاطفي!
حين تُختزل العلاقة بين الطفل وأبيه في زيارات نهاية الأسبوع، وحين يصبح الأب مجرد اسم على وثيقة نفقة، يدفع الطفل ثمناً يُسدّده طوال حياته في صعوبات العلاقات وقضايا الثقة والصحة النفسية!
الأطفال الذين نشأوا في ظل غياب الأب يظهرون إحصائياً معدلات أعلى من الاضطرابات السلوكية والأداء الأكاديمي الأضعف! وهذا ليس إدانة للأمهات اللواتي يُربّين أطفالهن وحدهن بجهد خارق، بل إدانة لنظام يجعل هذا الوضع شبه حتمي!
ورغم كل هذا الثمن الذي يدفعه الجميع، هناك صمت مريب في النقاش العام! تجد آلاف المنصات والمقالات التي تتحدث عن معاناة المرأة في الزواج والطلاق، وهذه معاناة حقيقية تستحق كل اهتمام، لكن الصوت الذكوري غائب أو يعامَل بشك وريبة حين يُطرح!
الرجل يتألم صامتاً من محاكم الطلاق التي تنتزع منه أطفاله! يتألم من الوصمة الاجتماعية التي تلصق به إن اعترف بالعجز المالي! يتألم من ثقافة تقول له: اصمت، اتحمّل، ادفع، ولا تشكو! ويتألم الآن من ثقافة جديدة تقول له: لا تقترب، لا تتكلم، لا تُبدِ إعجاباً، لأن الاتهام أسهل من أي دفاع!
وهذا الصمت المفروض لا يخدم أحداً! لا يخدم المرأة التي تريد شريكا حقيقياً! ولا يخدم الأطفال الذين يحتاجون أبا حاضراً! ولا يخدم المجتمع الذي يستثمر في أسر متوازنة وصحيّة!
ومعدلات الزواج في انخفاض مستمر عالمياً! في اليابان وصل الأمر إلى ظاهرة اجتماعية خطيرة يُعترف بها رسمياً! كوريا الجنوبية تعاني من أزمة ديموغرافية حقيقية بسبب انخفاض الزواج والإنجاب! وأمريكا ترى لأول مرة في تاريخها نسبة غير مسبوقة من البالغين الذين لا يتزوجون! وهذه ليست صدفة ولا أزمة ذكاء جماعية مفاجئة! معدلات الطلاق في أغلب المجتمعات، الغربية منها والعربية على حد سواء، تجاوزت النصف! هذه استجابة اجتماعية لمنظومة باتت معطوبة في جوهرها!
فالزواج لم يمت ولن يموت، لأن الحاجة الإنسانية إليه حقيقية وعميقة وراسخة في بنيتنا البيولوجية والنفسية! لكن الزواج كما هو مُصمَّم اليوم، في ظل منظومة قانونية مختلة وتوقعات اجتماعية متناقضة وثقافة باتت تُجرّم الاقتراب وتُسلّح الاتهام وتُغيب الصوت الذكوري، هذا الزواج يتراجع، وسيستمر في التراجع!
الرجل لا يهرب من المرأة، يهرب من منظومة باتت تُحاصره في كل خطوة!
لا يتكلم لأن الكلام أصبح خطراً!
لا يتقرب لأن الاقتراب بات جريمة!
لا يتزوج لأن الزواج أصبح صفقة يخسر فيها قبل أن تبدأ وبعد أن تنتهي!
وإن أردنا مستقبلاً مختلفاً، مجتمعاً يتكاثر لا يتآكل، أسراً تُبنى لا تنهار، علاقات إنسانية حقيقية لا تسوّقاً رقمياً بارداً، فابدأوا بطرح الأسئلة الصحيحة!
لا تسألوا: لماذا لم يعد الرجل يتكلم؟!
بل اسألوا: ماذا بنينا حتى جعلنا الكلام نفسه مغامرة خطيرة؟!