اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية المقالات صدى الفعل؛ كيف تكتب أفعالنا مصيرنا دون قاضٍ يُحصيها؟!

صدى الفعل؛ كيف تكتب أفعالنا مصيرنا دون قاضٍ يُحصيها؟!

0
صدى الفعل؛ كيف تكتب أفعالنا مصيرنا دون قاضٍ يُحصيها؟!

من خان أمانة، “يترك لحسابه مع الكون، فذاك أصبر قاضٍ، وأعدل منتقم”!
هذا ما كتبته في مقالة سابقة، فعلّقت صديقة، مستغربة، تسألني: هل تؤمن أنت بالكارما؟!
وهل يعقل أن قوة أكبر منا ترعى أحداث حياتنا؟!

واستغرابها كان في محله، بل كان مستحقاً تماماً!
فهي تعرفني جيداً، وتعلم أنني لم أقضِ جزءاً من حياتي إلا في محاربة الخرافات بشتى أنواعها، بما فيها كل ما يُسوَّق على أنه “طاقة كونية” أو “قوى غيبية تُدير مصائرنا”!
فكيف يبدو مني فجأة أنني أتحدث عن “حساب مع الكون” وكأنني أومن بمحاسبٍ خفي يرصد كل فعل؟!
فأجبتها (وهذا المقال هو تفصيل لتلك الإجابة، كما وعدتها بالتوسع): لا، أنا لا أؤمن بالكارما بمفهومها الشعبي، ذاك الذي حوّلته صناعة كاملة إلى بضاعة تُباع في كورسات “الطاقة الكونية” و”الهالات”!
فتلك الكارما تفترض محاسباً خفياً يرصد كل فعل، ويرسل لكل مسيء عقوبة مصمّمة خصيصاً له، وكأن الكون موظف حسابات يتفرّغ لشؤوننا الشخصية! وهذا تبسيط ساذج لا يصمد أمام أبسط سؤال: لماذا إذن يعيش كثير من الخائنين حياة رغيدة، ويموت كثير من الأخيار مكسورين؟!

أما ما أؤمن به، فهو أبسط بكثير، وأصلب بكثير أيضاً: أن للأفعال صدى! ليس عقاباً موجّهاً من الخارج، بل نتيجة طبيعية تنبع من داخل الفعل نفسه!
فحين نقول “الكون سيعاقبه”، نحن في الحقيقة نتهرب من السؤال الأصعب: كيف يحدث هذا العقاب فعلياً؟! من يُنفّذه؟! وبأي معيار؟!
والإجابة الشعبية عادة غامضة عمداً، لأن غموضها هو ما يمنحها قوتها الوهمية!
أما الإجابة الحقيقية فتقول: لا يوجد قاضٍ خارجي، بل بنية داخلية! الفعل لا يُنتج عقاباً منفصلاً عنه، بل يحمل نتيجته في ذاته، كما تحمل البذرة شكل الشجرة قبل أن تُزرع!

لذلك كل فعل يقوم به الإنسان لا يمر مروراً عابراً، بل يترك أثراً في من قام به، قبل أن يترك أثراً في من تلقّاه! هذه هي النقطة التي يُغفلها من يبحثون عن “عقاب خارجي”: الفعل يُشكّل صاحبه من الداخل، بغض النظر عن ردة فعل العالم من حوله!

فمن اعتاد الكذب، لا يحتاج إلى أن يُفضح ليُعاقب! فهو يحمل عقابه معه في كل مرة يضطر فيها لتذكّر ما قاله سابقاً، في كل لحظة يخشى فيها أن يتقاطع كذبان لم يُحسب لهما حساب، في ذلك التوتر الدائم الذي يعيشه من يبني حياته على أرض هشة!
ومن اعتاد الاستغلال، لا يحتاج إلى أن يُهجر ليُعاقب! فهو يحمل عقابه في عجزه عن فهم لماذا لا يبقى أحد بجانبه طويلاً، وفي تفسيره الدائم لهذا الرحيل بأن “الناس ناكرة للجميل”، دون أن يرى دوره فيما حدث!

هذا ليس تشاؤماً، بل ملاحظة دقيقة لكيف تُبنى الشخصية الإنسانية! فنحن لسنا كياناً ثابتاً يقوم بأفعال منفصلة عنه، بل نحن مجموع أفعالنا المتراكمة! كل فعل نكرره يُصبح جزءاً من نسيجنا النفسي، يُشكّل توقعاتنا، طريقتنا في قراءة الآخرين، حتى نبرة صوتنا حين نتحدث عن أنفسنا! ولهذا فإن السؤال “هل سيُعاقب فلان؟!” سؤال خاطئ من الأساس، لأن الإجابة الصحيحة هي: هو يُعاقب الآن، بفعل نفس ما فعله، لا بفعل شيء خارجي لاحق!

ملاحظة مهم: قد يبدو للوهلة الأولى أن التخلي عن فكرة “الكون العادل” هو تخلٍّ عن العزاء، وسقوط في عدمية قاسية لا رحمة فيها! لكن العكس هو الصحيح تماماً!

فكرة “الكون العادل” تحمل في طياتها فخاً مؤلماً: فهي تعني ضمناً أن كل من يعاني، يعاني لأنه يستحق! وهذا منطق خطير، يُحمّل الضحايا مسؤولية ما حدث لهم، وكأن كل مصيبة هي فاتورة مستحقة عن ذنب سابق!
كم من إنسان عانى مضاعفاً، مرة من المصيبة نفسها، ومرة من سؤال “ماذا فعلتُ لأستحق هذا؟!”، وهو سؤال لا إجابة له لأن الافتراض من أساسه خاطئ!

أما فكرة “الصدى النفسي”، فهي لا تربط المعاناة بالاستحقاق! فالإنسان الطيب قد يُصاب بمرض، وقد يُخان، وقد تنهار مشاريعه، لا لأنه أخطأ في مكان ما، بل لأن الحياة فعلاً، كما وصفها شوبنهاور، ليست موجّهة بإرادة أخلاقية تُكافئ الخير وتُعاقب الشر بشكل مباشر ومتناسب! لكن هذا لا يعني أن لا شيء له نتيجة! فما يحدث بالفعل هو أن الأنماط السلوكية المتكررة تُنتج نتائج متسقة معها، لا بقوة غيبية، بل بمنطق سببي بسيط: من يزرع الثقة، يحصد علاقات أعمق مع الوقت! ومن يزرع الاستغلال، يحصد علاقات أضحل وأقصر عمراً! هذا ليس عدلاً كونياً، بل ميكانيزم نفسي واجتماعي قابل للملاحظة!

وهذا أرحم، لأنه يُحرر الإنسان من عبء البحث عن “لماذا يحدث لي هذا؟!” في كل مصيبة عشوائية، ويمنحه بدلاً من ذلك سؤالاً أكثر فائدة: أي الأنماط أبنيها في حياتي، وأي نتائج تنسجم معها؟!

من أجمل ما يمنحه هذا الفهم، أنه يُحرر الإنسان من موقعين مُرهقين في آن واحد!

الموقع الأول هو موقع “المحاسب”، ذلك الذي يعيش منتظراً أن يرى بعينه عقاب كل من أساء إليه، فيتحول انتظاره هذا إلى سجن! فهو يُبقي طاقته النفسية مشدودة نحو أشخاص غادروا حياته فعلياً، لكنهم ما زالوا يحتلون تفكيره، لأنه لم “يشهد” بعد ثمار عدالته الكونية! وهذا انتظار قد يطول عمراً كاملاً، بل قد لا يتحقق أبداً بالشكل الذي يتخيله، لأن الحياة لا تُوزّع نتائجها وفق جدول زمني يُرضي المتضررين!

والموقع الثاني هو موقع “الضحية الدائمة”، ذلك الذي يرى في كل ما يحدث له إشارة إلى قوة خارجية تُلاحقه أو تتخلى عنه، فيفقد إحساسه بالفاعلية، ويتحول إلى متفرج على حياته بدل أن يكون صانعها!

أما من يفهم أن الفعل يحمل صداه في ذاته، فهو يتحرر من كلا الموقعين! لا ينتظر عدالة خارجية ليرتاح، لأنه يعلم أن الخلل الأخلاقي يُصحّح نفسه من الداخل، بصمت، دون حاجة لشاهد! ولا يشعر بأنه ضحية لقوة عمياء، لأنه يعلم أن جزءاً كبيراً من مصيره يُكتب بيده، من خلال الأنماط التي يختار تكرارها أو كسرها!

ربما هذا هو الفرق الجوهري بين “الكارما” بمفهومها الشعبي، وبين “صدى الفعل” بمفهومه الأعمق: الأولى تفترض قاضياً، والثانية تصف قانوناً!
القاضي يحتاج إلى وعي، إلى نية، إلى قرار يُتخذ في كل حالة على حدة!
أما القانون، فهو ببساطة يصف كيف تسير الأمور، بلا نية وبلا وعي، تماماً كما يصف قانون الجاذبية سقوط الجسم دون أن يكون هناك من “يقرر” إسقاطه في كل مرة!

وحين نفهم أفعالنا على أنها تخضع لقانون لا لقاضٍ، نكتسب شيئاً أثمن من العزاء: نكتسب القدرة على الفهم، وبالتالي القدرة على التغيير!
فما دام الأمر قانوناً، فهو قابل للدراسة، وما هو قابل للدراسة، هو قابل لأن نُعيد تشكيل علاقتنا به!
ولعل هذا هو أصدق معنى للحرية: ألا ننتظر من يُنصفنا، بل أن نفهم كيف تُصنع الأنماط، فنختار بوعي أيها نُكرر، وأيها نكسر إلى الأبد!