اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية المقالات العطاء والكارما؛ عن دناءة من يستغل الطيبة!

العطاء والكارما؛ عن دناءة من يستغل الطيبة!

0
العطاء والكارما؛ عن دناءة من يستغل الطيبة!

كل من قدّم شيئاً ذا قيمة لغيره، يعرف تلك اللحظة المُرّة حين يكتشف أن من أعطاه لم يكن يستحق! لحظة يشعر فيها المرء بالغباء، وكأن نبله كان سذاجة، وكأن صدقه كان خطأً حسابياً!
لكن هذا الشعور، رغم واقعيته، مبني على افتراض خاطئ؛ أن قيمة العطاء تُقاس بردّة فعل من تلقّاه! وهذا افتراض يجعل الإنسان أسير كل من يتعامل معهم، فتصبح كرامته رهينة أمانة الآخرين، بدل أن تكون نابعة من ذاته!

فمن يُعطي وهو ينتظر مقابلاً عادلاً فقط، لم يُعطِ في الحقيقة، بل عقد صفقة! والصفقة قد تُخسر، وهذا طبيعي في كل تجارة!
أما العطاء الصادق، فهو فعل يكتمل بذاته لحظة صدوره، بغض النظر عمّا يحدث بعده!
من زرع بإخلاص، أدّى ما عليه، سواء أثمرت الأرض أم لم تُثمر!
وهنا يبرز سؤال طبيعي: لماذا يخون الناس تحديداً من أحسن إليهم؟!
الجواب أن الخيانة غالباً لا تأتي من الأشرار الواضحين، بل ممن اقتربنا منهم بثقة! فالقريب وحده يملك مفتاح الخيانة، لأن الغريب لا يجد فرصة لها أصلاً!

وهنا تكمن أشد أنواع الدناءة؛ أن يجد إنسان في طيبة غيره وحبّه للعطاء ثغرة يستغلها، لا نقطة يحترمها!
فبعض النفوس لا ترى في كرم الآخرين قيمة تستحق الوفاء، بل فرصة تستحق الاستغلال!
وهذه النفوس تعيش على حساب ثقة غيرها، تمتصّ العطاء دون أن تعرف معناه، وتتقن فن أخذ كل شيء دون أن تمنح شيئاً! وهي بذلك لا تخون فرداً واحداً فحسب، بل تُفسد فكرة الثقة نفسها، وتجعل كل قلب صادق أكثر حذراً وأقل انفتاحاً على من حوله!

وأذكر أنني، قبل نحو خمس وعشرين سنة، جلست في خيمة لبدوٍ قريبين منّا، كانوا يفدون لمنطقتنا كل عام في موسم الألبان والأجبان!
كان أحد الشباب هناك غاضباً، وتنهيداته تتصاعد كالبركان! سألته عمّا به، فقال لي: سأحكي لك قصة! (من القصة علمت أنه تعرّض لخيانة توّاً)!

قصته تقول: أحد الفرسان كان يعبر الصحراء على فرسه، التقى في طريقه بتائهٍ يوشك أن يلفظ أنفاسه الأخيرة من العطش!
فنزل إليه مسرعاً، وسقاه من مائه حتى استعاد أنفاسه وقوّته! وما إن نهض التائه، حتى دفع الفارس بعيداً بقوة، وقفز على الحصان ليهرب به! وقبل أن ينطلق، صاح الفارس عالياً: قف! أرجوك لا تخبر أحداً بما فعلتَ! فالتفت النذل ساخراً مستغرباً: ولماذا؟!
أجاب الفارس: لست أطلبها من أجلك، بل من أجل من سيأتي بعدك تائهاً في هذه الصحراء! كي لا تُمِت النخوة في قلوب الناس، فتُغلق كل الأيدي التي كانت ستمتد يوماً لإنقاذ غريب!
(وهي حقيقة ملموسة إلى اليوم، فبسبب قطّاع الطرق وحالات الخطف التي سمعناها ونسمعها دوماً، لم يعد أحدنا يجرؤ أن يقف لغريب على الطريق، خوفاً من مصيبة لا يعلم مداها)!

هكذا تفعل كل خيانة؛ لا تُنهي حكايتها عند صاحبها، بل تترك أثرها في كل شخص سمع بها، فيغلق باباً كان يمكن أن يبقى مفتوحاً لغريب يستحق!
لكن هذا لا يعني أن الخائن يفلت من حسابه، فحين يُترك حسابه للكون، لا يكون ذلك انتظاراً لعقاب درامي يلحق به! بل لأن الخلل الأخلاقي لا يبقى بلا أثر! فمن اعتاد أن يأخذ ولا يفي، سيبني حياته كلها على هذا النمط، وسيدفع الثمن في كل علاقة يدخلها، حتى لو لم يشعر بذلك مباشرة! فالخيانة لا تُعاقب من الخارج فقط، بل تتحول إلى طبيعة تُفسد صاحبها من الداخل، وتجعله عاجزاً عن الثقة بأحد، لأنه يقيس الجميع بمعيار نفسه الدنيئة!

وهذا اليقين هو ما يمنح الإنسان الحرية الحقيقية، لأن أعظم حرية يملكها هي أن يُعطي دون أن يتحول إلى محاسب دائم لكل من حوله! فمن يحمل دفتر حسابات لكل معروف قدّمه، يتحول العطاء عنده إلى عبء، والعلاقات إلى ديون متبادلة! أما من يُعطي ويمضي، فهو وحده الحر فعلاً، لأنه لا ينتظر شيئاً ليكمل ذاته!

فالعطاء يبقى فعلاً نبيلاً، حتى لو استغلّته نفوس دنيئة! ومن خان أمانة، يترك لحسابه مع الكون، فذاك أصبر قاضٍ، وأعدل منتقم!