
في عام 2009 كانت شابة تعمل صحفية في نيويورك بوست، تعيش حياة طبيعية تماماً؛ عمل، أصدقاء، طموح، ومستقبل كانت تراه أمامها بوضوح! وفجأة، ومن دون مقدمات واضحة، بدأت تسمع أصواتاً لا وجود لها، وأصيبت بنوبات شك حادة تجاه أقرب الناس إليها، ثم بدأ سلوكها يتغير بطريقة مخيفة، وتدهورت قدرتها على التفكير والتواصل، وصولاً إلى نوبات تشنج واضطرابات جسدية لم يعد من السهل تفسيرها على أنها مجرد أزمة نفسية عابرة!
نُقلت إلى المستشفى، وتنقلت بين عدة أطباء، حتى استقر التشخيص على ذهان حاد، وبدأ التعامل مع الحالة على هذا الأساس، بينما كانت عائلتها تستعد نفسياً لفكرة مرعبة؛ ماذا لو كانت ابنتهم قد دخلت إلى عالم لن تعود منه كما كانت؟!
لكن بين عشرات الأطباء الذين مروا على حالتها، كان هناك طبيب لم يقتنع بأن كلمة “ذهان” يمكن أن تكون نهاية القصة!
لاحظ تفاصيل صغيرة لا تتناسب تماماً مع الصورة التقليدية لاضطراب نفسي؛ حركات لا إرادية غريبة، اضطرابات عصبية، تقلبات حادة في الوظائف اللاإرادية للجسم، ثم التشنجات! وهنا حدث الشيء الذي قد يبدو بسيطاً، لكنه في بعض الحالات قد يكون الفاصل بين تشخيص خاطئ وتشخيص ينقذ حياة إنسان؛ لم يسأل فقط “ما المرض النفسي الذي يمكن أن يفسر هذه الأعراض”؟!
بل سأل سؤالاً مختلفاً تماماً: ماذا لو كان هناك مرض عضوي في الدماغ يجعل المريض يبدو وكأنه مصاب بمرض نفسي؟!
كانت الإجابة أكثر رعباً مما توقع الجميع! لم تكن سوزانا كاهالان تعاني من اضطراب نفسي بالمعنى الذي بدا في البداية، بل كانت مصابة بمرض مناعي ذاتي نادر يسمى التهاب الدماغ المناعي المضاد لمستقبلات NMDA، وهو مرض يمكن فيه للجهاز المناعي أن ينتج أجساماً مضادة تستهدف مستقبلات موجودة في الدماغ، فتتأثر مناطق مرتبطة بالإدراك والذاكرة والسلوك والحركة والوعي! والمشكلة أن الدماغ لا يملك طريقة سهلة ليقول للطبيب: “أنا مصاب بالتهاب”! لا توجد علامة حمراء تظهر فوق الرأس، ولا ألم واضح يخبر الطبيب بما يحدث، ولذلك قد تظهر المشكلة على شكل هلوسة، ارتياب، اضطراب في التفكير، تغير في الشخصية، حركات غريبة، تشنجات أو اضطرابات في الوعي! أي أن المرض العضوي يستطيع، ببساطة مخيفة، أن يرتدي قناع المرض النفسي!
وهنا تبدأ القصة التي تستحق أن نتوقف عندها أكثر من مجرد قصة سوزانا نفسها! لأن المشكلة ليست أن التهاب الدماغ المناعي يشبه الذهان فقط، بل أن بعض الأمراض التي تصيب الدماغ يمكن أن تتحدث بلغة السلوك!
فإذا أصيب الإنسان في منطقة من الدماغ تؤثر في الحركة، رأينا الحركة تتغير، وإذا تأثرت الذاكرة، رأينا النسيان، وإذا تأثرت مناطق مرتبطة باللغة، تغير الكلام، فلماذا نستغرب عندما يؤدي اضطراب في بعض الشبكات العصبية إلى تغير الإدراك والسلوك والشخصية نفسها؟!
نحن نرى الإنسان يتصرف بطريقة مختلفة، فنقول “لقد تغير نفسياً”، بينما قد يكون ما تغير في الحقيقة شيئاً يحدث داخل العضو الذي يصنع لنا الإحساس بالنفس أصلاً؛ الدماغ!
وهنا تصبح الحدود بين “المرض النفسي” و”المرض العضوي” أكثر تعقيداً مما يتخيله الناس! فالهلوسة بحد ذاتها لا تحمل بطاقة تقول للطبيب من أين جاءت، والارتياب لا يخبرك إن كان سببه اضطراباً نفسياً أم مرضاً عصبياً أم تأثير مادة أم دواء أم حالة مناعية! الأعراض تخبرك بما يحدث، لكنها لا تخبرك دائماً لماذا يحدث! ولهذا فإن ظهور أعراض ذهانية بشكل مفاجئ وشديد، خصوصاً عندما تترافق مع تشنجات أو اضطرابات في الحركة أو الوعي أو الجهاز العصبي اللاإرادي، يجب ألا يجعل الطبيب يكتفي بالشرح النفسي قبل أن يبحث عن الأسباب الطبية الممكنة!
لكن هناك مشكلة أكثر عمقاً من المرض نفسه، وهي الطريقة التي يمكن أن يعمل بها التشخيص داخل عقل الطبيب!
فالطبيب لا يرى المرض مباشرة، بل يرى مجموعة من الأعراض، ثم يبني منها تفسيراً! وإذا سمع أن المريض يسمع أصواتاً، ويرتاب بمن حوله، ويتصرف بطريقة غير منطقية، فمن الطبيعي أن يخطر في ذهنه الذهان!
لكن بمجرد أن تدخل كلمة “ذهان” إلى الملف الطبي، قد تبدأ كل الأعراض اللاحقة في الدخول تحت مظلتها؛ الأرق يصبح جزءاً من الذهان، والخوف يصبح جزءاً من الذهان، والسلوك الغريب يصبح جزءاً من الذهان، وحتى بعض الأعراض الجسدية قد يبدأ تفسيرها باعتبارها نتيجة للحالة النفسية أو للعلاج! وهنا يصبح التشخيص أكثر من مجرد اسم؛ يصبح عدسة ينظر الطبيب من خلالها إلى المريض!
وهذه واحدة من أخطر النقاط في الطب كله!
لأن التشخيص في الأصل ليس حقيقة نزلت من السماء، وإنما هو محاولة لفهم مجموعة من العلامات والأعراض وفق المعرفة المتاحة في تلك اللحظة!
قد يكون صحيحاً، وقد يكون خاطئاً، وقد يكون صحيحاً جزئياً، وقد يصبح بحاجة إلى التعديل عندما تظهر معلومة جديدة! والطبيب الجيد ليس هو الذي يتمسك بتشخيصه حتى النهاية، وإنما الذي يستطيع أن يقول في اللحظة المناسبة: “هناك شيء لا أفهمه بعد، ولذلك يجب أن أعود خطوة إلى الوراء وأبحث من جديد”!
وهذا بالضبط ما يجعل قصة سوزانا كاهالان مهمة! فهي لا تخبرنا أن الطب النفسي خطأ، ولا أن كل من يسمع أصواتاً لديه التهاب في الدماغ، ولا أن الفصام مجرد مرض عضوي لم يكتشفه الطب بعد!
هذه استنتاجات أكبر بكثير من الأدلة! لكنها تخبرنا بشيء أكثر أهمية؛ أن بعض الحالات التي تبدو نفسية بشكل مقنع يمكن أن يكون خلفها مرض عصبي أو مناعي، وأن التشخيص النفسي لا ينبغي أن يتحول إلى باب يُغلق بعده البحث عن الأسباب الأخرى، خصوصاً عندما تظهر علامات عصبية غير معتادة!
وقد عولجت كاهالان لاحقاً بالعلاج المناعي، ومع الوقت بدأت تستعيد ذاكرتها وشخصيتها وقدرتها على الحياة الطبيعية، ثم كتبت تجربتها في كتابها الشهير “Brain on Fire”، فتحولت قصتها إلى واحدة من أكثر القصص المعروفة عن هذا النوع من التهاب الدماغ، وساعدت في لفت الانتباه إلى مشكلة أكبر بكثير من حالتها الشخصية؛ وهي أن الطب نفسه كان لا يزال يتعلم كيف يمكن لبعض أمراض الدماغ المناعية أن تظهر أولاً في عيادة الطب النفسي قبل أن تظهر في عيادة الأعصاب!
والأمر المثير هنا أن المرض لم يكن جديداً تماماً من الناحية البيولوجية، لكن التعرف عليه ككيان سريري واضح كان حديثاً نسبياً في تلك الفترة، وقد بدأ وصف التهاب الدماغ المضاد لمستقبلات NMDA بشكل واضح في الأدبيات الطبية عام 2007، أي قبل حالة كاهالان بعامين فقط! وهذا يعني أن بعض الأطباء الذين واجهوا هذه الحالات في بدايات ظهورها كانوا يتعاملون مع مرض لم يكن موجوداً أصلاً في خريطة الاحتمالات الطبية التي تعلموها بالشكل الذي نعرفه اليوم!
وهنا يظهر درس مهم جداً عن تاريخ الطب نفسه؛ كثير من الأمراض التي نعتبرها اليوم واضحة ومفهومة كانت في الماضي تُفسر بطريقة مختلفة، ليس لأن الأطباء السابقين كانوا أغبياء، وإنما لأن الأدوات والمعرفة التي كانت متاحة لهم كانت مختلفة! وما نعتبره اليوم تشخيصاً بسيطاً قد يكون بعد عشرين عاماً مجرد اسم قديم لتفسير ناقص! لذلك فإن أخطر شيء يمكن أن يحدث في الطب ليس أن يخطئ الطبيب، فالخطأ جزء من أي معرفة بشرية، وإنما أن يتحول الخطأ إلى يقين، وأن يصبح التشخيص الأول حصناً يمنع الطبيب من النظر إلى ما وراءه!
والسؤال هنا ليس ضد الطب النفسي، بل داخل جوهر الطب نفسه: إذا كان الدماغ هو العضو الذي ينتج الإدراك والذاكرة والانفعال والسلوك والإحساس بالذات، فكيف يمكن أن نرسم حدوداً صلبة بين “ما هو نفسي” و”ما هو عضوي” وكأنهما عالمان منفصلان تماماً؟!
عندما تتغير شخصية إنسان بسبب ورم أو جلطة أو إصابة دماغية، نقول إن هناك سبباً عضوياً غيّر سلوكه!
لكن عندما تتغير الشخصية من دون أن نرى السبب، فإننا نميل بسرعة إلى وضعها في خانة المرض النفسي! وربما يكون هذا التصنيف مفيداً في كثير من الحالات، لكنه يصبح خطيراً عندما يمنعنا من مواصلة البحث!
لأن الإنسان لا يدخل المستشفى حاملاً تشخيصه على جبينه! يدخل حاملاً أعراضاً فقط! والطبيب هو الذي يحاول أن يضع هذه الأعراض داخل قصة تفسرها! وأحياناً تكون القصة صحيحة، وأحياناً تحتاج إلى تعديل، وأحياناً تكون خاطئة تماماً! لذلك فإن أعظم مهارة يمكن أن يمتلكها الطبيب ليست أن يجد اسماً للمرض بسرعة، بل أن يعرف متى يجب أن يشك في الاسم الذي اختاره!
وربما لهذا السبب فإن قصة سوزانا كاهالان ليست قصة عن طبيب أخطأ وطبيب آخر أنقذ الموقف، بل قصة عن شيء أكثر إنسانية وتعقيداً؛ عن حدود المعرفة نفسها! عن اللحظة التي يصبح فيها الإنسان أسيراً للتفسير الأول الذي وضعناه له، وعن الخطر الذي يبدأ عندما نحب التشخيص أكثر مما نحب الحقيقة!
فكم من مرة رأينا السلوك، ونسينا الدماغ الذي أنتجه؟!
وكم من مرة رأينا الهلوسة، فبحثنا عن اسم اضطراب نفسي قبل أن نسأل لماذا ظهرت فجأة؟!
وكم من مرة أصبح التصنيف أهم من الإنسان نفسه؟!
ربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل هذا المريض مجنون؟!
ربما السؤال الأكثر أهمية هو: ما الذي يحدث داخل دماغه حتى أصبح هكذا؟!
لأن الإنسان قد يبدو وكأنه فقد عقله، بينما تكون الحقيقة أن شيئاً ما داخل عقله هو الذي يطلب النجدة!
وهنا تأتي الضربة التي تجعل هذه القصة أكبر من مجرد حالة طبية نادرة: كم من إنسان في مكان ما من العالم دخل مؤسسة نفسية، وحصل على اسم لاضطرابه، وحصل على دوائه، ثم توقف الجميع عن البحث؟!
وكم من واحد كان يحتاج قبل كل ذلك إلى شخص واحد فقط يقول: انتظروا… هل فحصنا دماغه فعلاً؟!