اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية المقالات المجتمع الكسيح!

المجتمع الكسيح!

0
المجتمع الكسيح!

هل يمكن أن تتخيل، ولو للحظة، أن تكون الوحيد الذي يستطيع المشي في محيط كسيح؟!

تخيل أن تستيقظ كل صباح، فتجد الجميع حولك عاجزين عن الحركة، بينما قدماك تحملانك إلى حيث تريد!

في البداية ستشعر بالامتنان لأنك تستطيع المشي، ثم ستشعر بالدهشة لأن الآخرين لا يستطيعون، وبعدها بقليل ستبدأ بالشعور بالوحدة!

ستحاول أن تشرح لهم كيف تمشي، فينظرون إليك باستغراب!

ستحاول أن تساعدهم، فيسألونك لماذا تتحرك كثيراً، ولماذا لا تجلس مثلنا؟!

ومع الوقت، قد يبدأون بإقناعك أن المشي ليس ضرورياً، وأن الجلوس أكثر أماناً، وأن من يحاول الوقوف وحده إنما يتوهم أنه أفضل من الآخرين!

ثم يحدث الشيء الأخطر!
قد تبدأ أنت نفسك بالشك في ساقيك!
قد تسأل نفسك: هل أنا فعلاً أستطيع المشي؟!
أم أنني أتخيل ذلك فقط؟!

وهنا تكمن مأساة الإنسان المختلف!

ليس أصعب ما في الاختلاف أن تكون وحدك، بل أن تعيش طويلاً بين أناس يحاولون إقناعك بأن قدرتك على رؤية ما لا يرونه هي مرض، وأن سؤالك لما لا يسألون عنه هو جنون، وأن رفضك لما اعتادوا عليه هو تمرد!

لكن دعني أخبرك ما لا يقوله لك أحد!

المحيط الكسيح لا يكتفي بإقناعك بالجلوس، بل يبدأ بمعاقبتك على وقوفك!

سيمنحك أول عقاب اسمه “العزلة”!
فجأة تكتشف أن الدعوات تقل، وأن الأصدقاء يبتعدون، وأن الغرف التي كنت جزءاً منها أصبحت أضيق من أن تتسع لساقين تعملان!

ثم يمنحك عقاباً ثانياً اسمه “التهمة”!
سيقولون إنك متكبر!
سيقولون إنك تستعرض!
سيقولون إنك تمشي لتُحرج من لا يستطيع، لا لأنك تحتاج فعلاً إلى الحركة!

وسيمنحك عقاباً ثالثاً، وهو الأخطر على الإطلاق، اسمه “الشفقة”!
فبعد أن يعجزوا عن إقناعك بالجلوس، وبعد أن يعجزوا عن اتهامك بالتكبر، سيبدأون بالشفقة عليك! سيقولون: مسكين! يظن أن المشي سينقذه! وسيهزّون رؤوسهم كأنهم يعرفون شيئاً لا تعرفه أنت!

هنا يكمن الفخ الحقيقي!

لأن الشفقة أقسى من الاتهام بألف مرة! الاتهام يجعلك تدافع عن نفسك، أما الشفقة فتجعلك تشك في نفسك!

وقد يحدث الأخطر من كل ذلك!
قد يقرر بعضهم أن يكسروا ساقيك فعلياً، لا مجازاً!
قد يخترعوا لك قانوناً يمنع المشي في الأماكن العامة! قد يخترعوا لك تشخيصاً نفسياً جاهزاً يسمونه “اضطراب الحركة الزائدة”!
وقد يجدون طبيباً يوافقهم، ومعلماً يكرر كلامهم، وإعلاماً يلمّعه، حتى يصبح كسر ساقيك، في نظر الجميع، “علاجاً”، لا جريمة!

ولن يفعلوا ذلك من كراهية خالصة لك!
سيفعلونه من خوف! لأن وجودك، وأنت تمشي بينهم، هو الدليل الحي على أنهم اختاروا الجلوس، لا أنهم أُجبروا عليه! وهذا ما لا يحتملونه!

في مجتمع كسيح، قد يصبح الوقوف جريمة!
وقد يصبح المشي استفزازاً!
وقد يصبح الإنسان الذي يحاول أن يفتح نافذة، خطراً على الذين تعودوا العيش في الظلام!

لذلك، لا تسأل دائماً: لماذا أنا مختلف عنهم؟!

اسأل السؤال الأكثر إزعاجاً: ماذا لو لم تكن المشكلة في أنك الوحيد الذي يستطيع المشي، بل في أنهم جميعاً اتفقوا على تسميتك أحمق لأنك رفضت أن تجلس؟!

واسأل سؤالاً أشد إزعاجاً بعد!
ماذا لو كان بعضهم، في أعماقه، يعرف أنه قادر على الوقوف، لكنه اختار أن يقنع نفسه بالعجز، لأن العجز الجماعي أخف وطأة من الوقوف وحيداً؟!

وفي النهاية، لا تتوقع منهم أن يصفقوا لك وأنت تمشي!

فالمحيط الكسيح لا يكره العاجز!
إنه يكره الساق التي تفضحه!

ولهذا، إذا كنت الوحيد الذي يستطيع المشي في محيطك، فلا تكسر ساقيك كي يشعر الآخرون بالراحة!

امشِ!

حتى لو شتموك!

حتى لو اتهموك بالغرور!

حتى لو وقفوا جميعاً ضدك!

حتى لو اخترعوا قانوناً باسمك، وتشخيصاً بعقلك، وشفقة تُلبَس على وجهك كالقناع!

فبعض المجتمعات لا تريد منك أن تكون مثلها فقط!

إنها تريدك أن تصبح كسيحاً، لا لأنها تحبك، بل حتى لا تضطر هي إلى الاعتراف بأنها تستطيع الوقوف!