اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

برج العذراء…!

0
برج العذراء…!

كل من يلتقيني، وخاصة من النساء، يسألونني عن برجي، وكأن تاريخ ميلادي وثيقة سرّية تكشف كل ما يلزم معرفته عني، دون أن يتعبوا أنفسهم بسؤالي عن أفكاري أو قراءاتي أو ندوبي الحقيقية!

نعم، برجي العذراء، البرج الذي يُقال إنه “صعب”، شديد الملاحظة، قليل الكلام، دقيق حتى حدّ القسوة! وقد أُصدّق أنا شخصياً بعض هذه الصفات، فقوة الملاحظة والتفكير النقدي والميل للتفكيك العميق أشياء تتعبني في نفسي كل يوم! لكن المشكلة ليست في الوصف، المشكلة أعمق من ذلك بكثير!

تخيّل أنك قد تكون رجل أحلام امرأة ما، لكن “عالمة الفلك” أم حفيصة، خرّيجة أكاديمية أم عباس المرموقة لفكّ السحر وجلب الحبيب مع أو بدون حليب، تُقرّر أن برجك لا يتوافق مع برجها!
فيُلغى لقاء، ويُدفن احتمال، ويُكتب مصير إنسانين بناءً على موقع كوكب باهت على بعد ملايين السنين الضوئية، فسّرته امرأة لم تفتح كتاباً علمياً واحداً في حياتها!

وطبعاً لا ننسى الشقّ الآخر من هذه “الأكاديمية” المقدّسة، فهناك أيضاً “عالم الفلك” أبو حفيص، شقيق أم حفيصة بالمهنة إن لم يكن بالدم، يقرأ طالعك من فنجان قهوة لم يشربه هو، ويُشخّص أزمتك النفسية بجملة واحدة: “فيه حسد”!
لا تحليل، لا سياق، لا سؤال عن ظروفك، فقط “حسد”، ثم فاتورة، ثم موعد الأسبوع القادم لمتابعة “الحالة”!
وبين أم حفيصة وأبو حفيص، يقتسم الاثنان سوقاً مزدهرة من العقول التي قرّرت أن تُسلّم مقاليد حياتها لمن لا يملك سوى شهادة ميلاده وشهادة إعفاء من الفهم، لكنه يملك كاميرا هاتف وإضاءة خافتة وصوتاً غامضاً كافياً لإقناع الناس أنه يُكلّم الكواكب مباشرة!

تخيّل أن “بلهاء” مشهورة، بضع مئات آلاف المتابعين وصفحة زرقاء موثّقة، قادرة على أن تحدّد، يوماً بيوم، متى تخرج من بيتك ومتى تختبئ فيه!
خطّطتَ لمشروع، جهّزتَ نفسك، لكن “أم حفيصة” تقول: اليوم لا تخاطر، ابقَ في البيت!
فتبقى، لا لأنك مقتنع، بل لأنك ببساطة عقل مأجور، مُستأجَر لحساب صناعة كاملة تتغذّى على خوفك من المجهول!

وهنا المفارقة التي تستحق وقفة فلسفية حقيقية: كل الأبراج، دون استثناء واحد، تُخبر أصحابها أنهم أقوياء، أذكياء، حنونون، أوفياء، ناجحون، عاطفيون بعمق!
لا يوجد برج واحد يقول لصاحبه: أنت غبي، أنت جبان، أنت خائن بطبعك!
كل التوصيفات مديح مُغلَّف بغموض كافٍ ليصلح لأي إنسان على وجه الأرض، وهذه ليست معرفة، هذه تقنية تسويقية تُسمّى “تأثير بارنوم”، حيث تُصاغ العبارات بعمومية مطّاطة تجعل كل قارئ يرى نفسه فيها، تماماً كما يرى أي إنسان نفسه في مرآة مشوّهة إن أراد ذلك بما فيه الكفاية!

والسؤال الفلسفي الحارق هنا: إذا كان الجميع، بحسب الأبراج، طيباً وذكياً وناجحاً وعاطفياً وممتازاً جداً كثيراً جزيلاً، فمن بحق الجحيم يوزّع الخراب؟!
من يُنتج الغباء الفعلي المنتشر في كل زاوية؟!
من يزرع الكراهية والحقد والحسد اللذين نراهما يومياً في وجوه الناس وفي تعليقاتهم وفي طريقة تعاملهم مع بعضهم البعض؟!

الجواب بسيط وموجع: لا أحد يوزّعه من الخارج!
نحن نصنعه بأنفسنا، ثم نهرب من مسؤوليته إلى كوكب بارد لا يعرف بوجودنا أصلاً!
أسهل أن تُلقي بفشلك على “عطارد الراجع” من أن تعترف أنك لم تُحضّر نفسك جيداً!
أسهل أن تُلقي بخيانة صديق على “برجه الناري” من أن تعترف أن الإنسان، كل إنسان، حرّ في اختيار الخسّة أو النبل، بصرف النظر عن تاريخ ميلاده!

أنا أعرف شخصياً عشرات ممن يحملون برجي “العظيم”، ومع ذلك لا يستطيعون التفريق بين الخمسة وبين كعكة لبنانية مدوّرة!
فأين “الملاحظة الفائقة” و”الذكاء العذراوي” الذي تتغنّى به كل صفحة فلكية؟!

الحقيقة أن الشخصية الإنسانية أعقد بما لا يُقاس من اثني عشر قالباً جاهزاً، وأن اختزال الوعي البشري، بتناقضاته وصراعاته وتجاربه التي لا تُحصى، إلى برج واحد هو أكبر إهانة يمكن أن يوجّهها الإنسان لنفسه!

وأنا شخصياً، لست برجاً، ولم أكن يوماً برجاً!
أنا مجموعة تجارب عشتها، وجروح لم تندمل بعد وأخرى صنعت مني إنساناً أصلب، ودراسات وبحوث سهرت عليها لأفهم نفسي والآخرين بطريقة لا تحتاج إلى كوكب يُبرّر لي شيئاً، وفرص نجحت بها وأخرى فشلت فشلاً ذريعاً وعلّمتني أكثر من كل النجاحات مجتمعة!
أنا نتاج قراراتي، لا نتاج موقع الشمس لحظة ولادتي!
وهذا بالضبط ما تُصرّ “أم حفيصة” وأخوها “أبو حفيص” على إخفائه عنك، لأن إنساناً يعلم أنه صانع مصيره بنفسه لا يحتاج فنجان قهوة ولا كوب حليب ولا خمسين دولاراً مقابل جلسة “قراءة طالع”!

نحن، ببساطة، نخاف من الحرية!
الحرية تعني أننا وحدنا المسؤولون عن اختياراتنا، عن حبّنا وكرهنا، عن نجاحنا وفشلنا، عن كل خرابٍ نزرعه بأيدينا ثم نبكي عليه!
وهذا عبء ثقيل جداً على عقول تعوّدت أن تُلقي بكل شيء على كاهل “أم حفيصة” وكوب الحليب وأكاديمية فكّ السحر!

فلتُسقط الأبراج إن أردت الحقيقة، ولتحمل وزر اختياراتك بنفسك، فهذا هو الفلك الوحيد الذي يستحق أن يُصدَّق!