
من أغرب المفارقات في هذه الحياة، أن تكون محاطاً بالناس من كل جانب، وتشعر رغم ذلك أنك الكائن الأوحد في هذا الكون!
تجلس وسط حفلة صاخبة، أو اجتماع عائلي، أو مجموعة أصدقاء يضحكون بصوت عالٍ، وفجأة يداهمك ذلك الفراغ الغريب: أنت هنا جسداً، لكن روحك في مكان آخر بعيد تماماً!
هذه ليست العزلة التي نعرفها، فالعزلة الجسدية سهلة الفهم؛ أن تكون وحيداً في غرفة، فتشتاق لصوت إنسان! لكن وحدة الجموع أعقد وأقسى بكثير، لأنها تحدث رغم وجود الأصوات، رغم وجود الأيدي التي تصافحك، رغم الابتسامات الموجّهة إليك!
منذ ديكارت وحتى الفينومينولوجيا الحديثة، ظلّت فكرة واحدة تطارد الفلسفة: أن الوعي الإنساني تجربة أحادية بطبيعتها! أنا لا أعيش ألمك، ولا أنت تعيش فرحي، مهما وصفنا لبعضنا بدقة!
هوسرل وميرلو-بونتي حاولا أن يفهما كيف “نتشارك” العالم رغم أن كل وعي مغلق على ذاته من الداخل، وخلصا إلى أن التواصل بين وعيين ليس نقلاً مباشراً للتجربة، بل تخمين متبادل، محاولة دائمة لبناء جسر فوق هاوية لا تُردَم بالكامل!
هذا ما سمّاه بعض الفلاسفة الوجوديين “الانعزال الأنطولوجي”، أي أن العزلة ليست عرَضاً طارئاً يصيبنا أحياناً، بل هي البنية الأساسية للوجود الإنساني نفسه! نحن، بحسب هايدغر، كائنات “مُلقاة” في العالم، كلٌّ منّا يواجه وجوده الخاص، وموته الخاص، ووعيه الخاص، بمفرده تماماً، حتى لو كان محاطاً بالملايين!
من الناحية النفسية، تكمن المشكلة في فجوة أعمق من مجرد “عدم الفهم”؛ إنها فجوة بين التجربة الداخلية الخام واللغة التي نحاول أن نعبّر بها عنها!
كل كلمة نقولها هي ترجمة، والترجمة دائماً تفقد جزءاً من الأصل! حين أقول لك “أنا حزين”، أنت لا تشعر بحزني، أنت تستدعي حزنك أنت، وتُسقطه على كلمتي، فيحدث تقارب وهمي يوحي بالفهم، بينما التجربتان في الحقيقة منفصلتان تماماً!
هنا تكمن خطورة وحدة الجموع النفسية: أنها تخلق إحساساً مضاعفاً بالخذلان، لأن الشخص يتوقع أن وجود الآخرين سيُشبع حاجته للفهم، وحين لا يحدث ذلك، يشعر بخيانة مضاعفة، مرة من نفسه لأنه توقّع، ومرة من العالم لأنه لم يستجب!
علماء النفس الوجودي، وعلى رأسهم إروين يالوم، اعتبروا العزلة الوجودية إحدى “الهموم النهائية الأربعة” للوجود الإنساني، إلى جانب الموت والحرية واللامعنى!
وبحسب يالوم، فإن أعمق أشكال العلاقة الإنسانية لا تُلغي هذه العزلة، بل تسمح لشخصين أن “يقفا معاً” وهما يواجهانها، لا أن “يذوبا” في بعضهما فيُلغيانها!
المشكلة أننا نتعلّم منذ الطفولة أن نُخفي هذا الفراغ، نتعلّم الابتسام في الصور الجماعية، ونتقن فن “المشاركة السطحية”، حتى نصدّق أحياناً أننا فعلاً موجودون بيننا! لكن في لحظات الصدق مع النفس، يعود ذلك الشعور، يهمس لنا أننا ما زلنا وحيدين، حتى وسط أعزّ الناس!
والأخطر من الشعور بالوحدة نفسه، هو الهروب المستمر منها عبر مطاردة انتماء زائف: علاقات كثيرة وسطحية، تجمعات لا تنتهي، ضجيج دائم يمنعنا من مواجهة الصمت الداخلي! هذه المطاردة تتحول مع الوقت إلى سجن جديد، لأن الشخص يصبح معتمداً على حضور الآخرين ليشعر بأنه موجود، فيفقد قدرته على الجلوس مع ذاته دون خوف!
فما الحل إذن؟!
ليس الهروب من الجموع، ولا اصطناع علاقات أعمق بالقوة! الحل يبدأ من مكان أصعب بكثير: أن تتصالح مع فكرة أن جزءاً منك سيبقى دائماً غير مُشارَك بالكامل، وأن هذا ليس فشلاً في العلاقات، بل هو جزء من طبيعة الوعي البشري نفسه!
حين تتوقف عن مطاردة “الفهم الكامل” من الآخرين، وتبدأ ببناء علاقة حقيقية مع ذاتك أولاً، تكتشف أن وحدة الجموع تخفّ حدّتها، ليس لأنها اختفت، بل لأنك لم تعد تخاف منها!
فالإنسان الذي يعرف كيف يؤنس نفسه، لا يشعر بالخوف حين يكتشف أن الجموع لا تملأ الفراغ، لأنه يعلم أن هناك فراغاً واحداً فقط يستحق أن يُملأ: الفراغ الذي بينه وبين ذاته!