اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية المقالات حين تسقط من مكان صار جزءاً منك!

حين تسقط من مكان صار جزءاً منك!

0
حين تسقط من مكان صار جزءاً منك!

في تعليق جميل على مقال سابق، طرحت عليّ الصديقة ريتا مجموعة أسئلة عميقة حول تجربة السقوط من مكانة كانت جزءاً من هوية الإنسان، لا مجرد خسارة عابرة! ولأن الموضوع بدا لي أوسع من أن يُختصر بردّ قصير، وأعمق من أن يُعامل بجملة أو جملتين، جاء هذا المقال محاولةً لفهم هذه التجربة من زاويتها النفسية والإنسانية الكاملة!
فالفرق جوهري بين أن تخسر شيئاً كنت تملكه، وأن تخسر شيئاً كنت أنت هو!

حين يخسر إنسان وظيفة عادية، أو صفقة، أو مبلغاً من المال، فهو يخسر شيئاً كان خارجه، شيئاً يمكن أن يوصف بأنه “كان لديه”! لكن حين يسقط إنسان من مكانة بنى عليها صورته عن نفسه لسنوات، من نفوذ اعتاد أن يشعر به كل صباح، من احترام كان يقرأه في عيون الناس قبل أن يقرأه في كلامهم، فهو لا يخسر شيئاً كان لديه، بل يفقد جزءاً مما كان هو!

وهذا الفرق، بين “فقدان الشيء” و”فقدان الذات”، هو ما يجعل هذا النوع من السقوط مختلفاً عن أي خسارة أخرى مهما بدت كبيرة من الخارج!

اللحظة التي ينهار فيها السرد الداخلي؛ ماذا يحدث فعلياً بالداخل في تلك اللحظة؟!

أول ما ينهار ليس الحساب البنكي، ولا المنصب، ولا العلاقات! أول ما ينهار هو السرد الداخلي الذي كان الإنسان يحكيه لنفسه عن نفسه!
كان يقول لنفسه: أنا القوي، أنا الذي يُحسب له حساب، أنا الذي وصل إلى ما لم يصل إليه كثيرون! وفجأة، تصبح هذه الجملة غير صحيحة، أو على الأقل غير مؤكدة!
والعقل، الذي اعتاد أن يستند إلى هذا السرد كي يعرف من هو كل صباح، يجد نفسه بلا أرضية يقف عليها! هذا هو جوهر الألم في هذه التجربة: ليس الخسارة المادية وحدها، بل انهيار الإطار الذي كان الإنسان يفهم به نفسه والعالم!

ولهذا فإن الأيام الأولى بعد سقوط من هذا النوع نادراً ما تكون أياماً “عملية”!
الإنسان لا يفكر غالباً بالخطوة التالية، ولا بإعادة البناء، ولا حتى بالمستقبل القريب! هو يعيش حالة أقرب إلى فقدان التوجه، أشبه بمن استيقظ فجأة في غرفة مظلمة لا يعرف أين الباب فيها! يعيد تشغيل نفس الأسئلة مرات لا تنتهي: كيف حدث هذا؟! هل كان بالإمكان تجنبه؟! ماذا سيقول عني من كانوا يحترمونني؟! ومن أنا الآن إذا لم أكن ذلك الشخص الذي عرفته طوال هذه السنوات؟!

هذا النوع من السقوط لا يشبه غيره من الخسارات، مهما حاول من حولنا أن يساووا بينها!
فحين يقول أحدهم “شركة أخرى أفلست”، أو “شخص آخر خسر منصبه”، فهو يتحدث عن حدث، بينما الشخص الذي عاش التجربة يتحدث عن هوية! معنى الخسارة لا يتحدد بحجمها الموضوعي، بل بمقدار ما كان هذا الشيء يمثله لصاحبه! فقدان مبلغ صغير قد يكون أشد إيلاماً من فقدان مبلغ كبير، إذا كان المبلغ الصغير يمثل الأمان الوحيد الذي عرفه الإنسان في حياته! وفقدان منصب متواضع قد يكون أعمق أثراً من فقدان منصب رفيع، إذا كان هذا المنصب المتواضع هو الشيء الوحيد الذي جعل صاحبه يشعر يوماً أنه مرئي!

ولهذا يخطئ من يحاول مواساة الساقط بمقارنته بغيره! “هناك من خسر أكثر منك”، “على الأقل ما زلت تملك كذا وكذا”! هذه الجمل، رغم حسن نيتها، تتجاهل أن الألم لا يُقاس بمسطرة موضوعية، بل بمقدار الفجوة بين الصورة التي كان الإنسان يحملها عن نفسه، والصورة التي أصبح عليها فجأة! وكلما كانت هذه الفجوة أعمق، كانت العودة إلى توازن داخلي أطول وأصعب، بصرف النظر عن حجم الخسارة كما يراها الآخرون من الخارج!

أما عن السؤال الأصعب: هل ينسى الإنسان مع الوقت، أم يتأقلم فقط؟!

الحقيقة أن النسيان بالمعنى الكامل نادراً ما يحدث! ما يحدث غالباً هو شيء أدق وأكثر تعقيداً: التجربة لا تُمحى، لكنها تتغير علاقتها بصاحبها! في البداية، تكون الذكرى حاضرة في كل تفصيل، حادة، تعيد نفسها في كل موقف يشبهها ولو من بعيد! رائحة معينة، مكان معين، جملة يقولها أحدهم بلا قصد، كل هذا قادر على إعادة الإنسان لحظياً إلى قلب التجربة وكأنها تحدث الآن!

ومع الوقت، لا تختفي الذكرى، لكنها تفقد قدرتها على التحكم بكل شيء! تبقى موجودة، لكنها تصبح جزءاً من السيرة لا سيدة عليها! وهذا هو الفرق بين “التعافي” بالمعنى الشائع، وبين ما يحدث فعلياً: الإنسان لا يعود إلى ما كان عليه قبل السقوط، لأن هذا مستحيل ببساطة، بل يبني علاقة جديدة مع ما حدث، علاقة لا تُلغي الألم لكنها تُخرجه من مركز القيادة! يصبح بإمكانه أن يحكي القصة دون أن ينهار وهو يحكيها، وهذا وحده تحول كبير، حتى لو لم يشعر بأنه “تجاوز” شيئاً بالمعنى الكامل للكلمة!

وهنا يجب أن نكون صادقين: بعض الخسارات تترك أثراً لا يزول تماماً! ليس كل جرح يُشفى إلى درجة لا يترك خلفه أي علامة! هناك حالات يبقى فيها الإنسان، حتى بعد سنوات من إعادة بناء حياته، يحمل حذراً معيناً، أو هشاشة معينة، أو قدرة أقل على الوثوق بالاستقرار حتى عندما يعود! يبني نجاحاً جديداً، لكنه لا يثق به بنفس الطريقة التي وثق بها بنجاحه الأول! يحتفظ دائماً بجزء منه متيقظاً، كأنه ينتظر أن يتكرر ما حدث، حتى لو لم يكن هناك أي مؤشر فعلي على ذلك!

وهذا ليس ضعفاً، وليس فشلاً بالتعافي! هذا ببساطة ما تفعله التجارب العميقة بالإنسان: هي لا تمر من دون أن تترك بصمة، تماماً كما لا يمر جسد عبر كسر خطير من دون أن يبقى فيه أثر، حتى لو التأم العظم تماماً!
والمشكلة ليست في وجود هذا الأثر، بل في محاولة إنكاره أو الشعور بالخجل منه، وكأن على الإنسان أن يثبت لنفسه وللآخرين أنه “تعافى بالكامل”، بينما الحقيقة أن التعافي الحقيقي لا يعني اختفاء الأثر، بل القدرة على الحياة رغم وجوده!

أما عن مفارقة المجتمع، فهي ربما أقسى ما في هذا الموضوع كله!

نحن كمجتمعات نصغي إلى قصص السقوط، لكننا لا نصغي إليها بصدق إلا حين تنتهي بصعود! نحب “قصة العودة”، لأنها مريحة، لأنها تمنحنا شعوراً بأن العالم عادل، وأن من يسقط يمكنه دائماً أن ينهض إذا كان قوياً بما يكفي!
لكن هذا الحب لقصص العودة يحمل ظلماً خفياً: فهو يجعل قيمة الإنسان الساقط مشروطة بقدرته على النهوض بسرعة، وكأن من يحتاج وقتاً أطول، أو من لا ينهض إلى نفس الارتفاع، أو من يبني حياة مختلفة تماماً عما كان، أقل جدارة بأن تُروى قصته، أو أقل استحقاقاً للتعاطف!

ولاحظوا كيف تُصاغ هذه القصص إعلامياً: “من الإفلاس إلى القمة من جديد”، “كيف نهض بعد أن فقد كل شيء”!
هذه العناوين تحتفي بالنهاية السعيدة، لكنها تتجاهل تماماً أشهراً أو سنوات من الظلام لم يكن فيها الإنسان “يستعد للعودة”، بل كان ببساطة يحاول أن ينجو! وهذا التركيز على “القصة الملهمة” يخلق ضغطاً خفياً على كل من يمر بتجربة مشابهة: عليك أن تتعافى بسرعة، وأن تتعافى بشكل مرئي، وأن تحول ألمك إلى درس ملهم، وإلا فأنت لست بطلاً في القصة، بل مجرد ملاحظة هامشية نُسيت!

وأكتب هذا كله وأنا أستحضر تجربة عشتها بنفسي، قبل جائحة كورونا مباشرة!
كنت قد وصلت في تلك المرحلة إلى مكانة قوية على كل الأصعدة تقريباً: اجتماعياً، ومالياً، وصحياً، ومهنياً! وكما يحدث دائماً حول هذا النوع من المكانة، تجمّع حولي المئات، بعضهم بمصلحة حقيقية، وبعضهم فقط ليتباهى بقربه من شخص “ناجح على كل الأصعدة”!
ثم جاءت الجائحة، ودمّرت كل ما بنيته خلال أشهر قليلة! خسرت أعمالي كلها، وتحت وطأة الصدمة المتكررة يومياً لأشهر، دخلت المشفى شهراً ونصف الشهر، وكنت فعلياً على فراش الموت!

وفي تلك المرحلة بالذات، لم أرَ أحداً واقفاً بجانبي! حتى أشخاص صنعتهم بنفسي من الصفر حتى الاستقرار، لم يكونوا هناك!
وعندما تم اخباري بالمشفى أنه لم يعد هناك أي أمل بالشفاء، وأنه علي إجراء عملية جراحية لاستئصال القولون أو الموت، رفضت العملية وقلت بصوت مرتفع : إذا كان هو الموت الذي ينتظرني، سيجدني بين ورودي في منزلي، وليس هنا في المشفى! عندها خرجت من المشفى على مسؤوليتي، غير قادر حتى على المشي بوزن 51 كغ، وبدأت رحلة تعافٍ نفسي في منزل ريفي معزول، ترافقت مع تعافٍ جسدي عبر برنامج علاجي بالفيتامينات الوريدية، ثم سافرت خارج ألمانيا وبدأت أستعيد حياتي على بقية الأصعدة! وحين بدأت أنهض فعلاً، عاد كثيرون ممن اختفوا، معجَبين بـ”صعودي من جديد”، لكن لم يرَ أحد منهم رحلة الموت اليومي التي سبقت هذا الصعود!

اكتشفت في تلك المرحلة أشياء عن نفسي وعن الناس من حولي لم أكن لأتخيل وجودها لولا أن مررت بها! والجرح، رغم كل ما فعلته لأتعافى، ما زال موجوداً، ولا أستطيع إنكاره! لكنني تعايشت معه، وأصبح جزءاً من هويتي الجديدة، جعلني أكثر نضجاً وانتباهاً في علاقاتي، وأكثر قدرة على تمييز من يقف بجانبي فعلاً ممن يقف بجانب صورتي فقط!

وهذا كله يقودنا إلى سؤال أعمق: هل فعلاً القوة الحقيقية هي أن تعود كما كنت؟!

أظن أن هذا التعريف للقوة، رغم شيوعه، تعريف ناقص! فالعودة إلى ما كنا عليه ليست دائماً ممكنة، وليست دائماً مرغوبة حتى لو كانت ممكنة!
فالإنسان الذي مر بسقوط حقيقي، وتعلم منه شيئاً عن هشاشة الأشياء التي ظنها ثابتة، قلما يستطيع أن يعود بنفس السذاجة التي كان يحمل بها مكانته السابقة! وربما القوة الأعمق ليست في استعادة الموقع القديم، بل في القدرة على أن يقول الإنسان لنفسه: لن أكون كما كنت، وهذا ليس هزيمة، بل بداية شكل مختلف من الوجود، أخف من عبء الصورة القديمة، وأكثر واقعية في علاقته بذاته!

فبعض من عاشوا سقوطاً حقيقياً، حين ينظرون خلفهم بعد سنوات، لا يقولون “تعافيت”، بل يقولون شيئاً أقرب إلى: “أصبحت إنساناً مختلفاً، أخف مما كنت، وأكثر صدقاً مع نفسي”!
لم يعودوا إلى القمة القديمة، لكنهم بنوا مكاناً جديداً، أصغر ربما من الخارج، لكنه أكثر استقراراً من الداخل، لأنه لا يعتمد على نظرة الآخرين بقدر ما كان يعتمد سابقاً!

وهنا تكمن مسؤولية لا نتحدث عنها كثيراً: مسؤوليتنا تجاه من سقط ولم ينهض بعد، لا فقط تجاه من نهض وأصبح قصة نرويها في المناسبات!
فالإنسان الذي ما زال في وسط سقوطه، الذي لم يجد بعد طريقه إلى نسخة جديدة منه، يحتاج إلى شيء أبسط بكثير من التصفيق الذي نمنحه لاحقاً لمن نجح بالعودة: يحتاج إلى أن يُرى وهو في تلك اللحظة بالذات، لا أن يُنتظر حتى يستحق الاهتمام بإنجاز جديد!

هذا يعني عملياً أن نتوقف عن ربط قيمة الحضور في حياة شخص ساقط بمدى “تقدمه” في رحلة التعافي! أن نزوره ونحن نعرف أنه ما زال في القاع، لا فقط حين يخبرنا أنه بدأ يتحسن! أن نسمح له بأن يحزن دون أن نستعجله نحو “التفكير الإيجابي”، لأن الحزن على ما فُقد ليس عائقاً أمام التعافي، بل غالباً هو الطريق الوحيد إليه!
الإنسان الذي يُجبر على القفز فوراً إلى “النظر للأمام” دون أن يُسمح له بالمرور بألم ما فقده فعلياً، غالباً ما يحمل هذا الألم غير المعاش معه لسنوات لاحقة، متخفياً في هيئة قلق أو انعزال أو خوف غامض من التعلق بأي شيء من جديد!

وأخيراً، عن السؤال الأصعب: هل كل إنسان قادر على التأقلم، أم أن بعض الخسارات تغيّر الإنسان إلى الأبد؟!

أظن أن التغيير الدائم يحدث دائماً تقريباً، لكنه لا يعني بالضرورة الانكسار الدائم! الإنسان الذي مر بسقوط عميق لا يعود أبداً كما كان، هذا صحيح!
لكن “عدم العودة كما كان” له وجهان: قد يعني أن جزءاً منه تحطم ولم يُرمم، وقد يعني أيضاً أنه أصبح إنساناً مختلفاً، أكثر عمقاً، أقل خوفاً من الأشياء السطحية، أكثر قدرة على تمييز ما يستحق التمسك به مما لا يستحق!

والفارق بين هذين الاحتمالين لا يحدده حجم السقوط بقدر ما تحدده عوامل أخرى غالباً ما تُهمل في النقاش العام: هل وجد الإنسان من يراه في لحظة انكساره، أم تُرك وحيداً حتى تحول الألم إلى عزلة؟! هل سمح لنفسه بأن يحزن على ما فقده قبل أن يُطالب بإعادة البناء، أم أُجبر على “الاستمرار” قبل أن يفهم أصلاً ماذا خسر؟! هل كان لديه، قبل السقوط أصلاً، أي جزء من هويته لا يعتمد على ذلك المنصب أو ذلك المال أو تلك المكانة، أم كانت هويته بأكملها معلقة بذلك الشيء الواحد الذي انهار؟!

وهذا الأخير تحديداً هو ما يفسر لماذا يسقط شخصان من نفس الارتفاع تقريباً، فينهض أحدهما بعد وقت معقول، بينما يظل الآخر عالقاً في اللحظة نفسها لسنوات!
الفرق غالباً ليس في “قوة الشخصية” كما نحب أن نبسطها، بل في مدى اتساع الهوية قبل السقوط: من كان يملك أجزاء أخرى من ذاته، علاقات، معنى، اهتمامات، لم تعتمد كلها على ذلك الموقع الذي سقط منه، وجد أرضية أخرى يقف عليها ريثما يعيد البناء! ومن كان قد اختزل نفسه بالكامل في ذلك الموقع، وجد نفسه بلا أرضية على الإطلاق!

وربما هذا هو الدرس الأهم: ليست القوة أن لا تُكسر، فكل إنسان قابل للكسر إذا كان الضغط كافياً وكانت النقطة التي يُضرب فيها هي بالضبط النقطة التي بنى عليها هويته!
القوة الحقيقية، إن وُجدت، هي أن يسمح الإنسان لنفسه أن يُكسر من دون أن يُنكر أنه انكسر، وأن يبني بعدها لا نسخة مطابقة لما كان، بل نسخة تعرف شيئاً لم تكن تعرفه من قبل: أن قيمتها لم تكن يوماً في المنصب أو المال أو نظرة الناس، بل في شيء أعمق من كل هذا، لم يكتشفه إلا حين سقط كل ما ظن أنه هو!

وربما لهذا السبب بالذات، بعض من عاشوا أقسى أنواع السقوط يصبحون لاحقاً أكثر الناس قدرة على مساعدة غيرهم فيه!
ليس لأنهم “تجاوزوا” التجربة بالمعنى الذي نتخيله، بل لأنهم يعرفون من الداخل أن السقوط ليس نهاية القصة، ولا مجرد فصل عابر يُروى بسرعة في طريق العودة إلى القمة، بل تجربة كاملة قائمة بذاتها، لها حقها في أن تُعاش وتُحترم، قبل أن يُطلب من أحد أن يتجاوزها!

فإذا كنت تعيش هذه التجربة الآن، فاسأل من عاشها لا من يراقبها من بعيد!
وإذا كنت أنت من يمر بهذا السقوط اليوم، أو من يحاول أن يفهم لماذا لا يستطيع أن ينهض بالسرعة التي يتوقعها منه الآخرون، فاسمح لي أن أقول لك شيئاً واحداً بوضوح تام: لا تستشر في هذا الألم إلا من عاشه فعلاً، لا من يراقبه من بعيد!

فمن الخطأ أن تسأل عن اللامبورغيني شخصاً لا يملك سوى سيارة كورية أو يابانية عادية، مهما كان مطّلعاً أو حسن النية!
رأيه، على صدقه، يبقى ناقصاً، لأنه يتحدث عن شيء لم يجلس خلف مقوده يوماً، ولم يشعر بقوته وهو ينطلق، ولم يواجه تكلفة صيانته الحقيقية، ولا نظرات الناس المتناقضة حوله! أما من امتلكها، أو امتلكها يوماً وفقدها، فهو وحده القادر أن يخبرك بصدق كيف تُقاد، وأين تكمن مخاطرها، وماذا يعني فعلاً أن تفقدها بعد أن اعتدت عليها!

وهذا بالضبط ما ينطبق على تجربة السقوط!
لا تطلب المشورة ممن لم يسقط قط، مهما كانت نواياه طيبة، ومهما بدت نصيحته منطقية على الورق! اطلبها ممن سقط وعاش الظلام كاملاً، ممن عرف كيف يكون المرء وحيداً في أحلك لحظاته، وكيف يُعاد بناء الذات حجراً حجراً من تحت الركام! هذا الإنسان وحده يملك خارطة حقيقية لما تمر به، لا لأنه أذكى منك أو أقوى، بل لأنه ببساطة سبقك في الطريق نفسه، وسقط في المطبات نفسها، ووجد، رغم كل شيء، طريقاً للنهوض!

فإذا كنت اليوم في قاع تجربتك، اعلم أن هذا القاع ليس نهايتك، ولو بدا لك الآن أنه كذلك!
الجرح الذي تحمله اليوم قد لا يزول تماماً، لكنه، كما حدث مع كثيرين قبلك، قابل لأن يتحول إلى مصدر نضج وحكمة وقدرة على رؤية الحياة والناس بعين أصدق وأعمق!
أنت لست وحدك في هذا، حتى لو شعرت بذلك الآن، فهناك من سبقك في هذا الطريق تحديداً، ونهض، وما زال ينهض، ويستطيع أن يمد لك يده لا بالكلام النظري، بل بتجربة حيّة عاشها بجسده وروحه!
فابحث عنه، واستمع إليه، ودع تجربته تضيء لك، ولو قليلاً، الطريق الذي أنت فيه الآن!