اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية المقالات مغالطة الوصول؛ حين يخذلك حلمك بعد تحقيقه!

مغالطة الوصول؛ حين يخذلك حلمك بعد تحقيقه!

0
مغالطة الوصول؛ حين يخذلك حلمك بعد تحقيقه!

حين تصل إلى القمة، لماذا تشعر أنك سقطت؟!

هناك أشياء نطاردها لسنوات، ونحن مقتنعون بأنها عندما تصبح لنا ستضع حداً لكل شيء!
المال، النجاح، الشهرة، المنصب، الشهادة، المشروع، البيت، السيارة، الهجرة، العلاقة التي انتظرناها طويلاً، أو حتى ذلك الحلم الذي كنا نؤجله كل صباح إلى “اليوم الذي أصل فيه”!
نقول لأنفسنا: عندما أصل سأرتاح، وعندما أنجح سأكون سعيداً، وعندما أحقق ما أريد ستستقيم حياتي!

ثم نصل!
وفجأة يحدث شيء لا يخبرنا عنه أحد!
لا شيء، أو بالأحرى يحدث شيء أكثر إرباكاً من لا شيء!
يهدأ الضجيج الذي كان يسكن رؤوسنا، وتنتهي المطاردة، وتختفي العقبات التي كانت تمنح أيامنا إيقاعها، ونكتشف أننا كنا نعرف جيداً كيف نركض، لكننا لم نتعلم ماذا نفعل عندما يتوقف السباق!
وهنا يبدأ السؤال المخيف: ماذا بقي مني بعد أن حصلت على الشيء الذي كنت أعتقد أنه سيجعلني أنا؟!

هذا هو أحد أوجه ما يسمى في علم النفس والسلوك بـ”مغالطة الوصول”!
وهي الاعتقاد بأن الوصول إلى هدف معين سيجعلنا سعداء بشكل دائم!
لكن المشكلة أن الإنسان لا يعيش بالسعادة وحدها، بل يعيش أيضاً بالتوقع والسعي والتقدم والشعور بأنه يتحرك من مكان إلى مكان! ولهذا قد يكون الطريق، على نحو متناقض، أكثر امتلاءً من الوصول!

وهذا ليس كلاماً نظرياً فقط، بل له أساس في طريقة عمل الدماغ نفسه! فالمتعة التي نشعر بها ليست غالباً في لحظة الحصول على الشيء، بل في التوقع والاقتراب منه! الدماغ مبرمج على مكافأة المسار أكثر من مكافأة الوجهة، ولهذا نشعر بحماس أثناء التخطيط والسعي، ثم نشعر ببرود غريب حين يتحقق الهدف فعلاً، وكأن الجزء الأكثر حيوية فينا كان مرتبطاً بالحركة لا بالسكون!

وهذا ما يفسّر قصصاً كثيرة نسمعها عن أناس وصلوا إلى ما كانوا يحلمون به!
رياضي يفوز أخيراً بالبطولة التي طاردها سنوات، وبدل الابتهاج الذي توقعه يشعر بفراغ غريب في الأسبوع التالي!
رائد أعمال يبيع شركته بمبلغ ضخم كان يعتبره خط النهاية، ثم يجد نفسه بعد أشهر يبحث عن مشروع جديد لا لأنه يحتاج المال، بل لأنه لا يعرف كيف يكون بلا هدف يركض خلفه!
هذه ليست حالات نادرة أو استثنائية، بل نمط متكرر يؤكد أن المشكلة ليست في الهدف نفسه، بل في الظن بأنه سيملأ فراغاً لا يملأه إلا معنى أعمق!

فأنت عندما تكون في الطريق لديك شيء تنتظره!
كل صباح يحمل احتمالاً، وكل عقبة تصبح اختباراً، وكل خسارة تصبح درساً، وكل خطوة صغيرة تمنحك إحساساً بأنك تقترب!
أما عندما تصل، فإن السؤال الذي كان مؤجلاً لسنوات يعود فجأة إلى الطاولة: والآن؟!
وهذا السؤال القصير قد يكون أكثر قسوة من كل العقبات التي سبقت الوصول، لأن بعض الناس لا يطاردون الهدف بقدر ما يطاردون الإحساس الذي يمنحه لهم السعي إليه: إحساس الحاجة، إحساس التحدي، إحساس الخطر، إحساس أنهم مطلوبون من الحياة وأن هناك شيئاً عليهم فعله!

ولهذا نجد أحياناً إنساناً حقق نجاحاً كبيراً، ثم بدأ دون أن يشعر بتخريب ما بناه!
يدخل في مشروع جديد بلا ضرورة، ويخلق مشكلة في علاقة مستقرة، ويبحث عن منافس جديد، ويرفع سقف توقعاته إلى درجة يستحيل معها الشعور بالرضا! ليس لأنه يريد أن يخسر، بل لأن الهدوء نفسه أصبح مخيفاً! لقد اعتاد أن يعرف نفسه من خلال الصراع، فإذا انتهى الصراع اهتزت صورته عن نفسه!

وهنا تظهر مفارقة نفسية غريبة: قد يصبح الإنسان مدمناً على المشكلة التي يتمنى التخلص منها، ليس لأنه يحب الألم، وإنما لأن الألم أصبح جزءاً من هويته! هناك من لا يعرف نفسه إلا وهو يحاول: “أنا الذي سأثبت لهم”، “أنا الذي سأصل”، “أنا الذي سأصبح شيئاً”، “أنا الذي لن أستسلم”!
لكن ماذا يحدث عندما يثبت لهم؟!
ماذا يحدث عندما يصل؟!
ماذا يحدث عندما يصبح فعلاً ذلك الشخص الذي قضى نصف حياته يحاول أن يصبحه؟!
تسقط الجملة التي كان يبني عليها حياته، ويكتشف أن المعركة التي منحته هويته قد انتهت!

ولهذا فإن بعض الناس لا يخافون من الفشل كما نعتقد، إنهم يخافون من النجاح!
الفشل مؤلم نعم، لكنه يمنحهم مهمة جديدة، أما النجاح فقد يسلبهم المهمة! ولهذا يمكن للإنسان أن يصل إلى المكان الذي حلم به طويلاً ثم يشعر بشيء يشبه الحزن، ليس لأنه لا يحب ما حققه، بل لأنه فقد الطريق الذي كان يسير فيه!

وهنا يجب أن نفهم شيئاً مهماً: الإنسان لا يحتاج فقط إلى هدف، بل يحتاج إلى معنى، والفرق بين الاثنين هائل!
الهدف يقول لك “أريد أن أصل إلى هناك”، أما المعنى فيقول لك “أريد أن أعرف لماذا أعيش وأنا في الطريق إلى هناك”! فإذا كان معنى حياتك كله موجوداً في نقطة النهاية، فماذا ستفعل عندما تصل إليها؟! ستبحث عن نقطة نهاية أخرى، ثم أخرى، ثم أخرى، وقد تتحول حياتك كلها إلى سلسلة من الإنجازات، لا لأنك تستمتع بالحياة، بل لأنك تهرب من لحظة التوقف!

ولهذا ربما لا تكون المشكلة في أن الإنسان يضع أهدافاً كبيرة، بل في أن يجعل قيمته الشخصية معلقة بنتيجة هذه الأهداف!
أن يقول لنفسه: إذا نجحت فأنا مهم، وإذا فشلت فأنا لا شيء، وإذا ربحت فأنا ذكي، وإذا خسرت فأنا غبي، وإذا أعجب الناس بي فأنا ناجح، وإذا لم يعجبوا بي فأنا فاشل!
عندها يصبح كل هدف محكمة، وكل نتيجة حكماً على الذات، وهذه حياة مرهقة مهما كان حجم الإنجاز!

لذلك ربما السؤال الأكثر نضجاً ليس “ماذا أريد أن أحقق بعد ذلك”؟!
بل “من أريد أن أكون وأنا أحقق ذلك”؟!
فقد يكون الهدف نفسه عادياً، لكن الإنسان الذي تصبحه أثناء الوصول إليه هو الإنجاز الحقيقي!
وقد تخسر صفقة وتربح نفسك، وقد تفشل في مشروع وتكتشف قدرة لم تكن تعرف أنها موجودة فيك، وقد تصل إلى حلمك ثم تكتشف أن أجمل ما فيه لم يكن اللحظة التي حصلت فيها عليه، بل الشخص الذي اضطررت إلى أن تصبحه كي تصل!

وهنا فقط نفهم شيئاً ربما كنا نجهله طوال الوقت: الحياة ليست غرفة انتظار نعيش فيها حتى نصل إلى السعادة، الحياة هي ما يحدث أثناء الطريق!
ولهذا لا أظن أن الحل بعد الوصول هو أن نركض فوراً نحو هدف جديد!
أحياناً نحتاج إلى أن نجلس قليلاً، أن ننظر خلفنا، أن نعترف لأنفسنا أننا فعلناها، أن نسمح للإنجاز بأن يدخل إلى وعينا قبل أن نحوله إلى مهمة جديدة، أن نتعلم كيف نعيش في المساحة التي لا يوجد فيها شيء نطارده! لأن الإنسان الذي لا يستطيع أن يكون سعيداً إلا وهو يطارد شيئاً، سيظل طوال حياته يهرب من نفسه!

وقد تكون أصعب مهارة في الحياة ليست أن تصل إلى القمة، بل أن تقف عليها دون أن تبحث فوراً عن جبل آخر كي تهرب من الفراغ الذي اكتشفته هناك! فالوصول ليس نهاية الطريق، لكنه أيضاً ليس بداية سباق جديد بالضرورة! أحياناً يكون الوصول أول لحظة يصبح فيها عليك أن تجيب، بعيداً عن الضجيج والإنجاز والتصفيق: إذا لم أكن أركض خلف شيء… فمن أكون؟!

فماذا نفعل إذن حين نصل؟!
لا أظن أن هناك وصفة جاهزة، لكن ربما تبدأ الخطوة الأولى من أن نستبدل سؤال “ماذا بعد”؟! بسؤال “ماذا الآن”؟!
أن نسمح لأنفسنا بلحظة سكون حقيقية، لا نملأها فوراً بهدف جديد، بل نراقب فيها ما تبقى منا حين لا نطارد شيئاً!
لكن هذا التحول لا يحدث بمجرد أن نغيّر السؤال الذي نطرحه على أنفسنا، فالعقل قد يقتنع بسرعة، بينما الجسد الذي اعتاد الركض يحتاج وقتاً أطول كي يصدّق أن السباق انتهى فعلاً، وأن السكون ليس خطراً عليه أن يستعد له! (راجع المقال السابق للتعمّق أكثر!).
ومن هذا السكون المُختبَر، لا المُفكَّر فيه فقط، تبدأ معرفة حقيقية بمن نحن حين لا يكون هناك سباق!

وربما يكون هذا السؤال، لا الوصول نفسه، هو بداية الرحلة الحقيقية!