
هل سألت نفسك يوماً، لماذا يهدأ العالم من حولك، بينما يبقى شيء في داخلك مستنفراً؟!
أحياناً تجلس في مكان هادئ، لا أحد يلاحقك، لا مشكلة أمامك، هاتفك صامت، وكل شيء حولك يبدو طبيعياً! ومع ذلك، هناك شيء في داخلك لا يهدأ!
تتنفس وكأنك مستعجل، تفكر في أشياء لم تحدث، تشد عضلاتك دون أن تنتبه، تفتح هاتفك بلا سبب، ثم تغلقه، ثم تعود إليه!
تريد أن تنام، لكن عقلك يقرر أن هذا هو الوقت المثالي لاستدعاء كل شيء حدث منذ عشر سنوات! ثم تقول لنفسك: لماذا أنا متوتر؟! لا يوجد شيء يستدعي ذلك!
وهنا تكمن المفارقة! قد يكون عقلك قد فهم أن الخطر انتهى، بينما جسدك لم يفهم ذلك بعد!
نحن نميل إلى الاعتقاد بأن التوتر يبدأ من فكرة: نخاف فنفكر، نقلق فتتسارع ضربات القلب، نشعر بالخطر فيبدأ الجسد بالاستجابة! لكن الأمر ليس دائماً بهذا الترتيب! أحياناً يتعلم الجسد حالة التأهب قبل أن نعرف نحن كيف نصفها، ويصبح الاستنفار مع الوقت جزءاً من الطريقة التي نعيش بها!
يعيش الإنسان فترة طويلة تحت الضغط، فيصبح الاستعداد للخطر أمراً مألوفاً! يستيقظ مستنفراً، يعمل مستنفراً، يتعامل مع الناس وهو مستعد للدفاع عن نفسه، وينام وهو يشعر بأن عليه أن يبقى يقظاً لشيء ما!
ثم يأتي يوم تنتهي فيه المشكلة! تنتهي الظروف، يبتعد الشخص الذي كان يسبب له التوتر، ينتهي العمل المرهق، يتحسن الوضع، وتهدأ الحياة من حوله! لكن شيئاً غريباً يحدث: المشكلة تنتهي، والاستنفار لا ينتهي معها!
وهنا يبدأ الإنسان، من دون أن ينتبه، في البحث عن مشكلة جديدة تبرر الشعور القديم!
يفتح بريده الإلكتروني عشر مرات، يتفقد الأخبار، يحلل كلمة قالها له شخص قبل ثلاثة أيام، يتخيل سيناريوهات لم تحدث، ويبحث عن إشارات صغيرة تؤكد أن هناك شيئاً يجب أن يقلق بشأنه! ليس لأنه يحب العذاب، وليس لأنه يريد أن يعيش متوتراً، بل لأن جهازه الداخلي اعتاد أن يعيش وكأن هناك شيئاً يجب الاستعداد له دائماً!
ولهذا فإن بعض الناس لا يشعرون بالراحة عندما تختفي المشاكل، بل يشعرون بالقلق من اختفائها! الهدوء بالنسبة لهم ليس راحة، بل فراغ!
والفراغ مساحة ممتازة للعقل كي يسأل: ماذا نسيت؟! أين المشكلة؟! لماذا أشعر أن هناك شيئاً سيئاً على وشك الحدوث؟!
وهكذا يتحول الإنسان إلى حارس يقف أمام باب لا يوجد خلفه أحد! يحرسه طوال الليل، يتعب، يراقب، يفتش، ثم يغضب من نفسه لأنه لا يستطيع النوم!
لكن المشكلة ليست دائماً في الباب! المشكلة أن الحارس نسي أن نوبته انتهت!
وهنا نصل إلى شيء مهم جداً في فهم القلق والتوتر: الجسد لا يتعامل فقط مع ما يحدث الآن، بل يتأثر أيضاً بما تعلمه من الماضي! إذا عاش الإنسان فترة طويلة في بيئة مليئة بالصراخ، أو عدم الاستقرار، أو الضغط، أو المسؤوليات التي لا تنتهي، فقد يصبح التأهب بالنسبة إليه أمراً مألوفاً، حتى بعد أن تتغير الظروف! وليس بالضرورة أن يتذكر كل شيء، وليس بالضرورة أن يعرف السبب أصلاً! قد لا يستطيع أن يقول لك لماذا هو متوتر، لكنه يشعر دائماً بأن عليه أن يكون مستعداً لخبر سيئ، لخسارة، لرفض، لفشل، أو لشيء لا يعرف حتى اسمه!
وهنا يقع الإنسان في خطأ آخر!
يحاول أن يعالج جسده بالمزيد من التفكير!
يقول لنفسه: اهدأ! لا يوجد شيء! فكر بإيجابية!
لكنه يكتشف أن الكلام وحده لا يكفي! لأن الجسد لا يفهم المحاضرات، بل يحتاج إلى تجربة مختلفة! يحتاج إلى أن يختبر الأمان، لا أن يسمع عنه فقط!
ولهذا فإن العودة إلى الهدوء لا تبدأ دائماً بمحاولة إقناع نفسك بأنك بخير، بل بالانتباه إلى ما يحدث في جسدك فعلاً! أن تشعر بقدميك على الأرض، لا أن تتخيل ذلك! أن تلاحظ تنفسك دون أن تحاول تغييره فوراً، فقط أن تراقبه لثوان قليلة! أن تنتبه إلى كتفيك وفكك ويديك، وأن تلاحظ مقدار التوتر الموجود فيها، ثم تسمح لها بالارتخاء تدريجياً! أن تتحرك قليلاً، تمشي، تمد جسدك، لأن الجسد المشدود لا يقتنع بالكلام، بل بالحركة! وأن تضع الهاتف جانباً لبعض الوقت، ليس لأن الهاتف خطر، بل لأن عادة البحث المستمر عن المعلومات والتنبيهات قد تغذي داخلك فكرة أن هناك دائماً شيئاً جديداً يجب مراقبته!
والأهم من كل ذلك أن تكرر هذه التجربة! لأن الجسد الذي تعلم التأهب على مدى سنوات لا يتعلم الأمان في جلسة واحدة!
هو يحتاج إلى دليل متكرر: أن اللحظة الهادئة مرت، ولم يحدث فيها شيء سيئ! أنني جلست ولم أراقب، ولم أفتش، ولم أستعد لشيء، ومع ذلك بقي العالم مكانه!
ومع التكرار، يبدأ شيء مختلف بالحدوث! تتسع المسافة بين الشعور والاستجابة! تشعر بالقلق، ولا تهرب منه! تشعر بالتوتر، ولا تبحث فوراً عن مشكلة تفسره! تشعر بأن شيئاً ما غير مريح، لكنك لا تعتبر هذا الشعور دليلاً على وجود خطر! وتبدأ شيئاً فشيئاً في ترك جسدك يقول: هناك شيء غير مريح، ثم تجيبه أنت: أعرف… لكننا لسنا مضطرين إلى القتال الآن!
وهنا ربما نصل إلى سؤال أعمق من سؤال: كيف أتخلص من القلق؟!
السؤال الحقيقي ربما هو: هل تعلمت أن أشعر بالأمان عندما لا يوجد شيء يستدعي الخوف؟!
لأن بعض الناس يعرفون جيداً كيف يقاتلون، وكيف يعملون تحت الضغط، وكيف يتحملون، وكيف ينجزون، وكيف يبقون واقفين حتى عندما ينهار كل شيء من حولهم!
لكنهم لم يتعلموا شيئاً أبسط: كيف يرتاحون دون أن يشعروا بالذنب أو الخوف! كيف يجلسون دون مهمة، وكيف ينامون دون أن يراجعوا كل ما حدث، وكيف يعيشون لحظة هادئة دون أن يفتشوا عن العاصفة القادمة!
وربما المشكلة ليست شخصية دائماً!
ربما تعلمنا جزءاً منها أيضاً من البيئة التي تربينا فيها! كم مرة ضحكنا من القلب، فقيل لنا فوراً: الله يجيرنا من الضحك!
هذه الجملة التي سمعناها ملايين المرات، في كل مرة تقريباً نضحك فيها، من أناس يستغربون الضحك ولا يستغربون الحزن والقلق!
وكأن الضحك نفسه شيء يستدعي الحذر! وكأن الفرح الزائد دعوة مفتوحة لمصيبة قادمة! لا تفرح كثيراً، لا تضحك كثيراً، لا تطمئن كثيراً، لا تقل إن الأمور بخير، لأن شيئاً ما قد يحدث بعد قليل!
المفارقة أن الإنسان قد يعيش ساعات وهو قلق، أياماً وهو حزين، سنوات وهو مستنفَر، ولا يسأله أحد: لماذا لا ترتاح؟!
لكن عندما يضحك من قلبه، قد يأتيه من يقول: الله يجيرنا من الضحك!
وكأن الحزن يحتاج إلى علاج، بينما الفرح يحتاج إلى تحذير!
وهكذا، ومن دون أن نشعر، قد نتعلم أن نراقب سعادتنا كما نراقب خطراً محتملاً!
يصبح الهدوء مشبوهاً، والفرح مؤقتاً، والضحك شيئاً ينبغي ألا نبالغ فيه، وكأن الحياة لا تسمح لنا بلحظة جميلة من دون أن تطالبنا فوراً بالاستعداد لما سيأتي بعدها!
وهنا تصبح المسألة أعمق من القلق الفردي!
كيف يمكن للإنسان أن يتعلم الأمان، إذا كان قد تعلم طوال حياته أن عليه أن ينتبه حتى عندما يكون سعيداً؟!
كيف يمكنه أن يسترخي، إذا كانت الرسائل التي تلقاها تقول له إن الفرح الزائد قد يعقبه شيء سيئ؟!
كيف يمكنه أن يترك جسده يهدأ، إذا كان جزء منه لا يزال ينتظر العقوبة التي تعلم أنها تأتي بعد كل لحظة راحة؟!
وربما لهذا السبب لا يحتاج الإنسان دائماً إلى حرب جديدة كي يشعر بأنه حي!
ولا يحتاج إلى القلق كي يثبت لنفسه أنه مستعد!
ولا يحتاج إلى مشكلة كي يمنح وجوده معنى!
ربما يحتاج فقط إلى أن يتعلم شيئاً لم يتعلمه من قبل: أن يكون بخير دون أن ينتظر العقاب على ذلك!
أن يضحك دون أن يبحث بعينيه عن المصيبة القادمة! أن يفرح دون أن يشعر بأنه ارتكب خطأ! أن يجلس بهدوء دون أن يسأل نفسه ماذا نسيت! وأن يسمح لجسده، للمرة الأولى ربما، أن يكتشف أن الحياة ليست دائماً شيئاً يجب الحذر منه!
وأحياناً يكون أكثر ما تحتاج إليه هو أن تسمح للحظة الهادئة بأن تكون هادئة!
أن تجلس دون أن تبحث عن شيء، أن تتنفس دون أن تستعجل، وأن تقول لجسدك، لا بالكلمات فقط، بل بالسلوك: لقد انتهى الأمر!
لأن بعض المعارك لا تنتهي عندما يختفي العدو!
تنتهي عندما يتوقف الحارس عن الوقوف أمام الباب!