
هل التفاهة هي مؤامرة كونية على المجتمعات؟!
الجواب البسيط: لا!
الجواب العميق، الأشد إيلاماً: هي تجارة كبرى، مُحكمة التخطيط، تُدار بيد من حديد من قبل كبريات الشركات والحكومات، وتُغسل فيها الأموال كما تُغسل فيها العقول، في مصنع واحد، بخط إنتاج واحد، لا يتوقف ليلاً نهاراً!
كان الإنترنت يوماً فضاءً للصراع، فيه الأخبار، وفيه من يمجّد الطغاة والعصابات الدينية، وفيه أيضاً من يفضحهم ويدعو للتنوير!
كانت معركة حقيقية بين عقل يريد أن يستيقظ وعقل يُراد له أن يبقى نائماً! أما اليوم، فلا معركة على الإطلاق!
انتصر طرف واحد، نهائياً وبلا رجعة، اسمه التفاهة! ولم يعد هناك شيء غير التفاهة!
ولسنا نقصد أن الشبكة خلت من كل ما سبق!
بل نقصد أننا فقدنا القدرة على الوصول إليه بسهولة! دفنوه عمداً تحت جبال من الفراغ المُصنَّع، حتى بات الباحث عن الفكر كمن يحفر بأظافره في صخر، بينما التافه يطير إليه فوق سجادة من الخوارزميات!
لماذا حدث هذا بالضبط؟!
هنا يجب أن نلجأ إلى علم النفس، لا إلى الادعاءات وحدها! فالدماغ البشري، بحسب ما أثبتته أبحاث السلوك منذ عقود، مفتون بما يُعرف بـ”التعزيز المتقطع”، أي أن يأتيه المكافأة دون نظام ثابت، تماماً كآلات القمار!
هذا بالضبط ما تفعله منصات التواصل! كل تمرير للشاشة قمار صغير، وكل إشعار جرعة دوبامين مجانية! والتافه أذكى من يستغل هذه الآلية، لأنه لا يقدّم فكرة تحتاج تأملاً، بل مثيراً حسياً فورياً، صورة، صدمة، إغراء، صراخاً!
والدماغ الكسول، المُدرَّب على السهولة، يختار المثير الفوري دون تردد، تماماً كما وصف بافلوف كلابه وهي تسيل لعابها لمجرد سماع الجرس، لا لرؤية الطعام!
أما فلسفياً، فنحن أمام ما يمكن وصفه بـ”مجتمع الفرجة”، حيث لم تعد الحياة تُعاش، بل تُشاهد وتُستهلك كصورة!
ونحن أمام ما وصفه بودريار بـ”المحاكاة”، حين تصبح الصورة أكثر واقعية من الواقع نفسه، فيصبح المؤثر التافه “حقيقياً” أكثر من الفيلسوف الحي، لأن ملايين الشاشات صدّقته!
ونحن أيضاً أمام ما حذّر منه نيتشه حين تحدث عن “أخلاق القطيع”، حين تصبح القيم لا نابعة من عقل حر، بل من غريزة القطيع الباحث عن الأمان في التشابه، فيكره كل من يرتفع عنه، ويُصفّق فقط لمن ينزل إلى مستواه أو أدنى!
المثقف وأتباعه ليسوا استهلاكيين! هم قرّاء لا مشترون، ومتأملون لا منقادون!
وشركات التواصل، التي لا تعبد إلا إلهاً واحداً اسمه الربح، توقفت عن دفعهم نحو الملايين، لأنهم لا “يستهلكون” بالمعنى التجاري، بل “يفكرون”، والتفكير بطيء، لا يُنتج نقرات، ولا يُبقي العين ملتصقة بالشاشة!
بينما التافه يصنع استهلاكيين بالجملة، لأنه يخاطب الغريزة قبل العقل، والجسد قبل الروح، والرغبة قبل القيمة!
انظروا كيف استُبدل المثقفون بمن يسمّونهم زوراً وبهتاناً “المؤثرين”!
تافهون في غالبيتهم المطلقة، أدواتهم مؤخرات بارزة، وصدور عارمة، وشفاه منفوخة، ووجوه أُعيد تصنيعها بالسيليكون والفيلر والميلر والسيلر، حتى أصبح الوجه الطبيعي استثناءً يُسخر منه!
أما الذكور من هذه الطبقة، فلا يملكون سوى اللسان القذر كموهبة وحيدة، والوقاحة كخطاب، والصراخ كحجة!
وحُرم هؤلاء من الثقافة حرماناً كاملاً، ومع ذلك يفتون في الدين، ويفتون في القانون، ويصدرون الأحكام في السياسة والاجتماع، وكأنهم كهنة عصر جديد بلا معبد ولا نص ولا حتى وعي!
وقد صنعوا لأنفسهم منظومة أخلاقية على مقاس غرائزهم، تخالف كل قيمة إنسانية عرفتها البشرية منذ فجر وعيها!
أخلاقهم أن ترد الشتيمة بشتيمة أقذع، أن تصرخ في وجه من يخالفك “اختك، أمك”، أن ترفع عليه دعوى إساءة إن تجرأ على انتقادك، مستغلاً فساد قانون بات يقف إلى جانب الأكثر شهرة لا إلى جانب الأحق!
وهكذا نشأ جيل كامل على أيديهم، لا يحلم إلا بحلم واحد أوحد: الشهرة، بنفس الطريقة، بنفس الأدوات، بنفس الفراغ!
لم يعد الفتيان يحلمون أن يكونوا أطباء ينقذون الأرواح، ولا مهندسون يبنون الحضارة، ولا علماء يدفعون البشرية خطوة إلى الأمام!
بات حلمهم أن “يصبحوا مشهورين”، بلا مضمون، بلا رسالة، بلا حتى سبب يُذكر! الشهرة لذاتها، غاية لا وسيلة! وهذا بالضبط ما يسميه علم النفس “النرجسية الرقمية”، حين يتحول الوجود كله إلى أداء أمام جمهور، وحين يفقد الفرد القدرة على الشعور بذاته إلا من خلال إعجاب الآخرين، فيصبح بلا إعجاب كأنه بلا وجود!
وصناعة هذه المنظومة الفاسدة سهلة أشد ما تكون السهولة! لا تحتاج إلا لفاسدين يريدون غسل أموالهم القذرة، وشركات تواصل جاهزة لتسهيل العملية مقابل نسبتها من الكعكة!
وهذا ما رأيته أنا شخصياً بأم عيني، لا نقلاً ولا سماعاً! أحد هؤلاء الفاسدين عرض عليّ بنفسه أن أفتح “لايفات” ليغسل من خلالها أمواله، أو أن أجلب له فتيات يفتحن بثوثاً مباشرة، يرسل لهن هدايا افتراضية باهظة، ثم نعيد له تلك الأموال نقداً، مقابل حصة عشرة أو عشرين بالمئة!
أموال قذرة تدخل من الباب الرسمي لشركة عالمية، فتخرج من الطرف الآخر بيضاء ناصعة، موثقة، قانونية، لا لأنها تطهرت، بل لأن المرور عبر شركة تواصل اجتماعي كبرى كافٍ ليُغسل كل إثم!
ثم تنفجر الفضائح! فضائح جنسية كبرى تلاحق أغلب هؤلاء المشاهير، الواحد تلو الآخر! وماذا يحدث؟! لا شيء!
فبحسب منظومتهم الأخلاقية الجديدة، لا عيب ولا حرمة، فكل إنسان “حر بجسده وحياته الخاصة”! هكذا، بجملة واحدة فضفاضة مطاطة، يبررون بقاءهم، بل ازدهارهم أكثر، في عالم الشهرة! فالفضيحة عندهم ليست سقوطاً، بل ترويجاً مجانياً، تجارة أخرى مربحة تُضاف إلى تجارة التفاهة الأصلية!
وكأن كل هذا لم يكن كافياً، جاء الذكاء الصناعي، ليُضاف سلاحاً جديداً في يد نفس المنظومة الفاسدة! فبعدما عجز التافهون عن انتحال صفة المثقف بالجهد الحقيقي، وجدوا في تطبيقات الذكاء الصناعي طريقاً مختصراً ليتحولوا بين ليلة وضحاها إلى “كتّاب” و”فلاسفة”! يكتب لهم الذكاء الاصطناعي المقالة، بل الكتاب كاملاً، فينسبونه لأنفسهم، ويظهرون بمظهر المفكر العميق، وهم في حقيقتهم فارغون كفراغ الشاشة التي صنعتهم! هكذا سرقوا حتى صورة المثقف، بعدما عجزوا عن سرقة جوهره!
والنتيجة الأخطر من هذا كله، أن المثقف الحقيقي، الذي كتب وألّف ونشر منذ سنوات طويلة قبل أن يولد الذكاء الصناعي أصلاً، بات اليوم مُتَّهماً، يُشكَّك في نتاجه، ويُرمى بتهمة جاهزة يطلقها حمقى لا يفرقون بين من صنع فكره بعرق سنوات وبين من استعار فكراً جاهزاً بضغطة زر!
هذا هو جوهر المنظومة الفاسدة: أن تُلطِّخ النظيف بوحل الفاسد، فيتساوى الاثنان في عين الجمهور الغافل، ويُصبح الدفاع عن الذات تهمة أخرى تُضاف إلى قائمة الاتهامات! وهذه أخبث حيلة عرفها التاريخ، أن تُغرق الحقيقي وسط بحر من المزيَّف، حتى يعجز الناس عن التمييز، فيرتاح المزيَّف من عبء المقارنة، ويُتعب الحقيقي بعبء إثبات وجوده!
والأدهى من هذا كله، أن هؤلاء التافهين، الذين أصبحوا بفضل الذكاء الاصطناعي كتّاباً وفلاسفة زوراً، يعجزون حتى عن الرد علينا بأنفسهم! يكفي أن يأخذوا مقالاتنا، ويضعوها في برنامج ذكاء اصطناعي، ويطلبوا منه أن ينقض ما كتبناه، فيكتب لهم ما يريدون، دون أن يفهموا هم أصلاً ما كتبناه، ودون أن يفهموا حتى ما يرد به عنهم الذكاء الصناعي!
معركة بلا فرسان، ورد بلا عقل، بينما هم واقفون على الهامش يتفرجون، ويظنون أنهم انتصروا لمجرد أن نافذة على الشاشة أنتجت نصاً!
وينسى هؤلاء، أو يتجاهلون عمداً، أن الذكاء الصناعي نفسه أخذ أسلوبه منا، من نتاج البشرية المكتوب عبر قرون! فالأسلوب في المقالات والكتب أسلوب عالمي، توارثته الإنسانية جيلاً بعد جيل، مقدمة تمهّد، ونص يبني، وخاتمة تختم، وشواهد تُسند القول! هذا الهيكل ليس ملكاً للآلة، بل هو إرث المثقفين والفلاسفة والكتّاب الذين سبقوا الآلة بقرون، والآلة لم تفعل شيئاً سوى أن ابتلعت هذا الإرث كله، وأعادت تقديمه لمن لا يملك حتى الحق الأخلاقي في استعارته!
بل الأسوأ من هذا، والشاهد الأدهى على فساد هذه المنظومة بأكملها، أنني رأيت بنفسي فيديو لشركات ذكاء اصطناعي، وهي تقوم بمسح ضوئي لأمهات الكتب النادرة، ثم تُتلفها بعد ذلك!
لسببين لا ثالث لهما! الأول احتكار المحتوى، حتى يبقى المصدر الوحيد المتاح للمعرفة هو الآلة ذاتها، لا الكتاب الأصلي، ولا المكتبة، ولا الذاكرة الإنسانية المستقلة! والثاني، وهو الأخطر، تسهيل تزوير الحقائق المذكورة في تلك الكتب، فإذا غاب الأصل، أصبح كل تحريف مقبولاً، لأنه لا يوجد مرجع يُكذّبه، ولا نسخة أصلية يُقارَن بها الزيف بالحقيقة! هكذا تُمحى الذاكرة الجماعية للبشرية، لا بالنار كما كانت تُحرق الكتب قديماً، بل بالمسح الضوئي، بأناقة العصر الرقمي، وبصمت لا يُثير شبهة أحد!
وهذه ليست مصادفة، ولا فوضى عابرة، بل نظام متكامل الأركان!
حكومات تتغاضى، لأن جيلاً مشغولاً بالتفاهة لا يسأل عن فسادها، ولا يقرأ تاريخها، ولا يطالبها بشيء!
وشركات عملاقة تُراكم الأرباح من كل ثانية مشاهدة، أياً كانت قيمتها أو انعدامها!
وفاسدون يجدون في هذا الخضم قناة مثالية لغسل جرائمهم المالية!
وأخيراً أدوات ذكاء اصطناعي، سُخِّرت لا لخدمة الفكر بل لتزييفه، ولإغراق الأصيل في بحر من التقليد الرخيص، بل ولمحو الأصل نفسه حين يتعارض وجوده مع مصلحة الاحتكار!
رباعي متكامل، لا ينقصه سوى ضحية واحدة تُقدَّم كل يوم على مذبح الخوارزمية: عقل الجيل القادم، وذاكرة الحقيقة نفسها!
شارك في صناعة الوعي!