اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية المقالات مكتبةٌ بلا فلاسفة؛ ألمانيا التي باعت نيتشه واشترت كتب الطبخ!

مكتبةٌ بلا فلاسفة؛ ألمانيا التي باعت نيتشه واشترت كتب الطبخ!

0
مكتبةٌ بلا فلاسفة؛ ألمانيا التي باعت نيتشه واشترت كتب الطبخ!

بالأمس ارتكبت خطأي المعتاد في الحياة؛ رافقت النساء في رحلة تسوق داخل مول عملاق، ذلك النوع من الأماكن الذي يستطيع أن يبيعك ألف شيء لا تحتاج إليه، ثم يقنعك أن حياتك كانت ناقصة قبل أن تشتريه!

وبينما كنت أنا وصديقي نمارس الطقس الرجالي المعروف في مثل هذه الرحلات؛ التنهد، والنفخ، والتجول بلا هدف، وقعت عيناي على مكتبة ضخمة تمتد على طابقين!

فتسارعت دقات قلبي، واتسعت حدقتا عيني، وجرّتني قدماي إليها دون أن ينتبه صديقي! وحين اكتشف أنني اختفيت، لم يحتج إلى كثير من الذكاء ليعرف أين سأكون، فدخل المكتبة وأخذ يبحث عني بين الرفوف حتى وجدني!

مكتبةٌ من طابقين، ولا يوجد فيها خمسة أشخاص يشترون كتباً! وهذه لم تكن الكارثة وحدها!

سألت الموظفة عن قسم الفلسفة وعلم النفس، فنظرت إليّ وكأنني أطلب مخطوطة سرية من العصور الوسطى، أو كتباً ممنوعة! وبعد جهدٍ كبير في التفكير، أشارت إلى الطابق الثاني!

هرولتُ إليه كجائع يشم رائحة الطعام!

وهناك كانت الصدمة!

بحثتُ مرة، ثم مرتين، ثم انضمّ صديقي إلى البحث، وكنا نفتش عن قسم الفلسفة كما يفتش رجال الإنقاذ عن ناجٍ تحت الأنقاض! فلم نجد شيئاً تقريباً! ركنٌ صغير، بالكاد يُرى بالعين المجردة، يحتضن بضعة كتب من أدبيات “التطوير الذاتي” التي تعدك بالسعادة خلال أسبوع، وبالثروة خلال شهر، وبالسلام الداخلي بمجرد أن تبتسم أمام المرآة عشر مرات في اليوم!

أما أكبر الأقسام، فكانت كتب الطبخ، والديكور، والهوايات، وكل ما يجعل الحياة أكثر استهلاكاً لا أكثر فهماً!

نعم، في بلد نيتشه!
في بلدٍ صدّر الفلسفة والعلم والموسيقى لقرون، لا أثر اليوم لكانط، ولا شوبنهاور، ولا هيغل، ولا غوته، ولا هيرمان هيسه، ولا توماس مان، ولا ماكس فيبر، ولا هانا آرنت، ولا فرويد، ولا أدلر، ولا يونغ، ولا آينشتاين، ولا ماكس بلانك، ولا فيرنر هايزنبرغ، ولا باخ!

ألمانيا التي قادت العالم اقتصادياً وفكراً وثقافة لعقود، تحوّلت رفوفها إلى وصفات طبخ، ونصائح “كيف تحب نفسك في سبع خطوات”!

في تلك اللحظة، لم أسأل أين ذهبت كتب الفلسفة… بل سألت: أين ذهب القراء؟!
فالمكتبة لا تعكس ما يريد صاحبها بيعه، بل ما يريده الناس أن يشتروه! وحين يختفي الطلب على الفكر، يبدأ الفكر بالاختفاء من الأسواق، ثم من الجامعات، ثم من الإعلام، ثم من المجتمع كله!

المكتبات ليست مجرد متاجر، ولا محال لبيع الورق! إنها جهاز لقياس حرارة الحضارة! كلما ازداد حضور الكتب التي تطرح الأسئلة، علمت أن المجتمع ما زال حياً! وكلما اختفت، وحل مكانها ما يبيع الوهم السريع والإجابات الجاهزة، أدركت أن شيئاً عميقاً قد تغيّر!

وحين يغيب العقل النقدي عن الرفوف، فإنه لا يغيب عن المكتبات وحدها؛ إنه يغيب عن الشارع أولاً، وعن الشاشة ثانياً، وعن قاعة البرلمان أخيراً، فتحلّ التفاهة محل التفكير في كل مكانٍ كان يُفترض أن يُدار بالعقل لا بردّة الفعل!

التفاهة لا تحتاج إلى دعوة، هي تدخل من كل باب مفتوح!

يكفي أن تسير في الشارع لترى كمّ الاستخفاف بالعقل! يكفي أن تشاهد التلفاز عشر دقائق لترى الهبل بلا حدود! يكفي أن تدخل دائرة رسمية لترى من يتحكم بأوراقك بلا مبالاة! يكفي أن تتابع نشرة سياسية لترى من يقرر مصير عملك وسكنك وحلمك البسيط في حياة كريمة، بينما يقضي بعض من في مقاعد البرلمان وقتهم في نقاش شكل غطاء عبوة المياه البلاستيكية، بدل الانشغال بإغلاق مصانع كبرى، وغلاءٍ يخنق المواطن!

هذه مفارقة مؤلمة: بلدٌ يُغرق نفسه بالتفاصيل التافهة، بينما القضايا الجوهرية – الاقتصاد، والتعليم، والفكر – تُترك لتتآكل وحدها!

أين ذهب العقل الألماني؟!

الألماني اليوم منشغل بالبقاء، لا بالتفكير! الغلاء يلتهم راتبه، والشركات الكبرى تغلق أبوابها الواحدة تلو الأخرى، وهروب المستثمرين لم يعد خبراً يثير الدهشة، والأخبار كارثة تجرّ كارثة، حتى لم يعد لديه وقتٌ أو طاقة ليسأل: كيف تحوّلت بلادي، بلاد الفكر والصناعة والانضباط، إلى بلادٍ رفوفها فارغة من الفلسفة وممتلئة بكتب الطبخ؟!

وهذا الغياب لا يظهر فقط في رفوف المكتبات، بل في الطريقة التي يُدار بها أكثر الملفات حساسية في البلد؛ فحين يتوقف العقل الجمعي عن مساءلة نفسه، يتوقف أيضاً عن مساءلة قوانينه ومبادئه، فتُطبَّق المبادئ الكبرى بانتقائية لا أحد يجرؤ على تسميتها باسمها! وخير مثالٍ على ذلك، القضية التي هزّت الرأي العام، والتي بات الألماني يسأل نفسه بسببها هكذا:

كيف لبلدي المسيحي العلماني أن تكسب فيه طالبتان مسلمتان دعوى قضائية ضد مدرستهما السنة الماضية، في إزالة الصليب من مدرسة ألمانية مسيحية، مستغلتين القوانين العلمانية الحيادية تجاه الأديان، وهما أنفسهما تطالبان ليل نهار باحترام حجابهما الذي يرمز للإسلام حصراً، وبعدم تقديم الطعام الذي يحتوي على لحم الخنزير، وعدم تناول الطعام في رمضان أمام المسلمين؟!

وهذه ليست حادثة معزولة! فالحياد الذي تُستدعى بموجبه الدولة لإزالة الصليب عن مدخل مدرسة بافارية، هو نفسه الذي يُستدعى في مكانٍ آخر ليُمنح الحجاب حصانةً خاصة في قاعات المحاكم والمدارس، وليُخصَّص مطبخ منفصل خالٍ من لحم الخنزير في مؤسسة عامة واحدة، وليُطلب استثناء من دروس السباحة المختلطة باسم الدين ذاته الذي يُطالِب في مكانٍ آخر بمحو رمزٍ دينيٍّ غيره باسم الحياد! الحياد هنا يُستدعى ليُسقِط رمز الأغلبية، ويُعلَّق ليُثبِّت امتياز الأقلية، وهذا ليس حياداً، بل انتقاء!

فإما أن تكون الدولة علمانية حقاً، فتتساوى الرموز كلها أمام قانونها، صليباً كان أم هلالاً أم كيباه، وإما أن تعترف أنها لم تعد علمانية، بل أصبحت أداة تُدار بمعايير مزدوجة، تشتدّ في وجه دينٍ وتلين أمام آخر! أما أن تُستخدم العلمانية سيفاً على صدرٍ، ودرعاً لصدرٍ آخر، فتلك ليست علمانية، بل نفاقٌ قانونيّ يرتدي عباءة الحياد!

ثم إنّ من يطالب بهذا الاحترام المُطلق لخصوصيته الدينية في بلدٍ لم يُولد فيه، حريٌّ به أن يسأل نفسه: هل أستطيع أنا، كمسيحيٍّ أو كملحد أو كصاحب رأيٍ آخر، أن أطالب بإزالة رمزٍ إسلاميٍّ من مؤسسة رسمية في بلدٍ إسلامي، مستنداً إلى حيادٍ لا وجود له هناك أصلاً؟! هل أستطيع أن أرفع دعوى لإزالة آية قرآنية عن جدار مدرسة في الرياض أو في اسطنبول، وأكسب؟! الجواب معروفٌ سلفاً، ولا يحتاج إلى محكمة!

في كثيرٍ من البلاد الإسلامية، لا يملك غير المسلم حق بناء كنيسة بحرية، ولا حق تغيير دينه دون خطرٍ على حياته، ولا حتى حق الشك علناً دون أن يُتّهم بالردّة! فبأي منطقٍ يُطالَب الغرب بأقصى درجات التسامح والمرونة الدينية، بينما تُمارَس في المقابل أقسى درجات التشدد تجاه من يخالف الدين السائد في بلدانٍ أخرى؟!

هذه ليست دعوة لكراهية أحد، ولا حكماً على كل فرد باسم جماعته! لكنها دعوة صريحة لمساءلة ازدواجية المعايير، سواء صدرت عن بعض الجاليات، أو عن سياسيين ألمان يخشون تسمية الأشياء بأسمائها خوفاً من تهمةٍ جاهزة! فالعدل لا يُجزَّأ، والحياد لا يُطبَّق على البعض ويُعلَّق عن البعض الآخر، وإلا فقد الاثنان معناهما!

وحين يطرح الألماني هذا السؤال بصوتٍ عالٍ، يُنعت بألقاب جاهزة، ليُشغَل بدل ذلك بالمحاكم أو بمكتب الضرائب، أو باستمارة، أو بموافقة إدارية تنتظر دورها، فلا يجد وقتاً كافياً ليكمل حديثه عن الحقيقة المرّة: هناك من يعمل – بجهلٍ أو بقصد – على تفريغ هذا البلد من عمقه الفكري وهويته، تفريغاً لا يستطيع أعداء ألمانيا التقليديون تحقيقه بهذه السرعة!

وما قضية الصليب والحجاب إلا عرَض واحد من أعراض المرض ذاته: مجتمعٌ فقد القدرة على مساءلة نفسه بمبدأ واحد ثابت، تماماً كما فقد القدرة على أن يسأل نفسه لماذا اختفت الفلسفة من رفوف مكتباته! فحين يغيب العقل النقدي عن الكتب، يغيب أيضاً عن القوانين، وعن السياسة، وعن كل قرارٍ يحتاج إلى ميزانٍ واحد يُطبَّق على الجميع بلا استثناء!

الأمم لا تنهار عندما تخسر معركة، بل عندما تتوقف عن طرح الأسئلة! كل حضارة عظيمة بدأت بسؤال، وكل حضارة انتهت عندما أصبحت تظن أنها تملك كل الإجابات! ولا تنهار فجأة، ولا تسقط في يوم واحد، ولا تستيقظ صباحاً لتكتشف أنها فقدت مكانتها! إنها تتآكل ببطء، والانحدار أكثر خبثاً من الانهيار السريع؛ هادئ إلى درجة أن الناس يتكيفون معه، فيتحول الاستثناء إلى عادة، والعادة إلى ثقافة، والثقافة إلى مصير!

يبدأ الأمر حين يصبح الترفيه أهم من المعرفة، والشهرة أهم من الإنجاز، والصورة أهم من الفكرة، والانفعال أهم من العقل! وحينها يصبح كل شيء قابلاً للتسويق… إلا العقل!

أما السياسة، فتتحول إلى إدارة للتفاصيل الصغيرة، بينما تبقى الأسئلة الكبرى معلقة: كيف نحافظ على جودة التعليم؟! كيف نستعيد قيمة القراءة؟! كيف نعيد للجامعة دورها في إنتاج الفكر، لا مجرد تخريج الشهادات؟! كيف نحافظ على اقتصاد قادر على المنافسة؟! كيف نمنح الشباب مستقبلاً يستحق أن يحلموا به؟! هذه الأسئلة لا تصنع عناوين مثيرة، لكنها هي التي تحدد مصير الأمم!

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن يقل عدد الكتب على الرفوف، بل أن يقل عدد الناس الذين يشعرون بالحاجة إليها! وحين يصل الإنسان إلى مرحلة يظن فيها أنه يستطيع فهم العالم من مقطع لا يتجاوز ثلاثين ثانية، وأن الفلسفة مضيعة للوقت، لا يعود الجهل مشكلة فردية، بل يصبح ثقافة عامة! وحين تصبح الثقافة العامة معادية للتفكير، يبدأ العد التنازلي لأي حضارة، مهما كان تاريخها عظيماً!

فهل من صحوة؟!

لا أحد يملك إجابة يقينية! لكن الصحوة تبدأ دائماً من سؤال بسيط يُطرح بصوت عالٍ، ومن مكتبةٍ يُعاد فيها للفلسفة مكانها، ومن جيلٍ يرفض أن يستبدل نيتشه بوصفة “شوربة العدس في خمس دقائق”!

ولهذا خرجت من تلك المكتبة وأنا أشعر أنني لم أزر محلاً لبيع الكتب، بل زرت متحفاً لذاكرة عصر كان يؤمن بأن العقل هو أعظم استثمار يمكن أن تقوم به أمة!

وربما كان السؤال الذي بقي يلاحقني حتى بعد مغادرتي أبسط من كل التحليلات، لكنه أكثر إيلاماً منها جميعاً: إذا كانت ألمانيا لم تعد تبحث عن الكتب التي تصنع العقول… فمن الذي سيصنع مستقبلها؟! وهل يبدأ سقوط الحضارات من أبواب البرلمانات… أم من رفوف المكتبات التي لم يعد أحد يقترب منها؟!

كانت السماء في عون ألمانيا الحبيبة!