
هناك لحظة في حياة كل إنسان يكتشف فيها أن كل ما تعلّمه عن الاكتفاء الذاتي والاستقلال والقوة الفردية ينهار أمام حاجة بسيطة لا يمكن كبتها، وهي حاجة أن يُعانَق!
فالإنسان الحديث يبني حول نفسه أسواراً من الخطاب النفسي المعاصر، يتحدث عن الحدود الصحية وعن الاستقلالية العاطفية وعن ضرورة ألا يحتاج إلى أحد، لكنه في العمق ما زال ذلك الكائن البدائي الذي يبكي حين يُترك وحيداً في الظلام، وما زال جسده يبحث عن جسد آخر يمنحه ما لا تمنحه الكلمات ولا تمنحه الإنجازات ولا يمنحه أي شيء آخر في هذا العالم!
العناق ليس حركة جسدية عابرة كما يُختزل في الثقافة الشعبية، بل هو فعل وجودي بامتياز، لأنه اللحظة الوحيدة التي يتوقف فيها الإنسان عمداً عن الدفاع عن نفسه! فحين تلتف الذراعان حول جسد آخر، يُعرّض الإنسان بطنه وصدره ورقبته، أكثر مناطق جسده هشاشة، لكائن آخر، وهذا في لغة التطور والبقاء فعل غير منطقي تماماً، لأنه يضع الإنسان في موقع الضعف الأقصى أمام الآخر! ومع ذلك يفعلها الجميع، منذ فجر التاريخ وحتى اليوم، لأن هناك ما هو أقوى من غريزة الحذر، وهو غريزة الانتماء التي تسبق حتى غريزة النجاة!
يشرح علم الأعصاب هذا الفعل بلغة الكيمياء، فالعناق الذي يستمر عشرين ثانية فأكثر يُطلق هرمون الأوكسيتوسين المعروف بهرمون الترابط، ويخفض في الوقت نفسه مستوى الكورتيزول المسؤول عن التوتر، وكأن الجسد يملك حكمة فطرية تسبق كل ما توصّل إليه العلم الحديث، حكمة تقول إن الأمان لا يُصنَع بالمنطق ولا بالخطاب العقلاني، بل باللمس المباشر وغير المشروط!
والطفل الذي يُحرم من اللمس في سنواته الأولى يعاني اضطرابات نمو حقيقية موثقة علمياً، وهذا وحده كافٍ ليثبت أن اللمس ليس رفاهية عاطفية بل حاجة بيولوجية بحتة، تماماً كالطعام والماء والهواء!
لكن الفلسفة تذهب إلى ما هو أعمق من الكيمياء العصبية، فالعناق في جوهره تفكيك مؤقت لوهم الفردانية الذي يعيش الإنسان أسيره طوال حياته!
فالإنسان يتوهم أنه كيان منفصل، حدوده هي حدود جلده، وأن كل ما هو خارج هذا الجلد هو “الآخر” المختلف عنه والمنفصل عنه، لكن العناق يكسر هذا الوهم ولو لثوانٍ معدودة، إذ تتلاشى الحدود بين الأنا والآخر، ويشعر الجسدان للحظة بأنهما امتداد لبعضهما لا كيانان متجاوران! وهذه اللحظة تحديداً هي ما يبحث عنه الإنسان في كل علاقاته، سواء أدرك ذلك أم لم يدرك، لأن جوهر المعاناة الإنسانية هو الشعور بالانفصال، وجوهر السعادة هو تلك اللحظات النادرة التي يتلاشى فيها هذا الانفصال!
ولعل مأساة العصر الحديث الحقيقية لا تكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في أنها استبدلت التلامس الجسدي بتلامس زجاجي بارد!
فالأصابع تتحرك طوال اليوم على زجاج بارد، تبحث عن “إعجاب” افتراضي يمنح شعوراً زائفاً بالاتصال، بينما تذبل في الجسد قدرته على العناق الحقيقي تماماً كما تذبل عضلة لا تُستخدم لسنوات!
والإنسان الذي يملك آلاف “الأصدقاء” على الشاشة قد يكون أكثر إنسان معانٍ من العزلة في تاريخ البشرية، لأن الاتصال الرقمي يمنح وهم القرب دون كلفته، ويمنح شكل العلاقة دون جوهرها، وهو تحديداً الجلد الدافئ الذي لا بديل عنه!
وحين نتأمل العناق في سياقات مختلفة، نجد أنه يحمل معاني متعددة بحسب الحالة التي يُمنَح فيها!
فعناق الأم لطفلها ليس فقط حماية جسدية بل هو أول لغة يتعلمها الإنسان قبل أن يتعلم أي كلمة، لغة تقول له إن العالم آمن رغم كل ما سيواجهه لاحقاً من قسوة!
وعناق المودّع في المطارات والمحطات يحمل ثقل كل الكلمات التي عجزت اللغة عن حملها، فيقول الجسد في ثوانٍ ما تعجز الرسائل والمكالمات عن قوله في ساعات!
وعناق الحداد، حين يلتف الأحياء حول بعضهم أمام فقدٍ لا يمكن تفسيره، هو اعتراف جماعي بأن الألم حين يُقتسم يصبح أخف، ليس لأنه يتضاءل، بل لأن الجسد المنفرد لا يستطيع أن يحتمل وزنه وحده!
أما عناق العشاق فهو نوع آخر تماماً، إذ يحمل في طياته رغبة لا واعية في الاندماج الكامل، في أن يصبح الجسدان جسداً واحداً ولو للحظة، وهذا ما يفسر لماذا يبحث العاشقان دوماً عن مزيدٍ من القرب مهما اقتربا، وكأن المسافة مهما ضاقت تبقى مسافة!
ففي عناق العشاق يتحول اللمس من طمأنة إلى رغبة، ومن أمان إلى شغف، لكنه في جوهره يحمل الحاجة الأولى ذاتها التي يحملها كل عناق، وهي الهروب من وحدة الجسد المنفرد نحو وهم الاتحاد الكامل بجسدٍ آخر، وهو وهمٌ جميل يستحق أن يُعاش رغم استحالته!
في النهاية، يبقى العناق أحد الأفعال القليلة التي لم تستطع الحضارة الحديثة، بكل تعقيدها وتقنياتها، أن تخترع بديلاً عنها أو أن تجعلها عفا عليها الزمن!
فبينما تغيّرت وسائل التواصل وأشكال العلاقات وحتى مفهوم الحميمية نفسه، ظل الجسد البشري يحتاج إلى جسدٍ آخر يحتويه، تماماً كما احتاج ذلك منذ أول إنسان وقف على الأرض وشعر بالبرد والوحدة معاً!
وربما كان هذا أصدق درس يقدمه لنا الجسد حين يعجز العقل عن الفهم، أن الإنسان مهما بلغ من الحكمة والاستقلال، يبقى في جوهره كائناً يحتاج أن يُحتوى!
في النهاية سمّها عناقاً أو ضمّة أو حضناً أو عبّوطة، فاللغة تتلوّن بلهجات لا تُحصى، لكن الجسد لا يعرف إلا لغة واحدة، هي أن يُحتضَن! فمتى كانت آخر مرة استسلم فيها جسدك، لا عقلك، لجسدٍ آخر؟!