اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية المقالات حين يُصبح الشفاء عقاباً!

حين يُصبح الشفاء عقاباً!

0
حين يُصبح الشفاء عقاباً!

في هذا العالم المقلوب رأساً على عقب، يُطلب من الضحية أن تشفى، بينما يُترك الجلاد طليقاً يمارس هوايته المفضلة دون حساب ولا عقاب ولا حتى سؤال بسيط عن دوافعه القذرة!
يلجأ الطيب إلى الطب النفسي حاملاً معه جراحه وحيرته وأسئلته الوجودية، بينما الشرير يتجول في الشارع بخطى واثقة، مرتاح البال، محمي بصمت المجتمع وتواطؤ الأنظمة وقوانين وُضعت أصلاً لحماية الأقوى لا الأضعف!

نحن لا نعيش في مجتمع يُعالج الأمراض من جذورها، بل في مجتمع يُخدّر الأعراض ويترك الورم ينمو بهدوء!
حين يتعرض إنسان للأذى، يُقال له اذهب واعمل على نفسك، اقرأ كتب التنمية البشرية، مارس التأمل، سامح من آذاك، تصالح مع الماضي!
وكأن الأذى الذي وقع عليه مسؤوليته هو، وكأن شفاءه واجب أخلاقي يقع على عاتقه وحده، بينما مَن سبّب له هذا الألم يمضي في طريقه دون أن يُطلب منه حتى الاعتذار!

هذه هي المفارقة الكبرى التي يتغذى عليها نظام كامل من الصمت المؤسسي!
فالأنظمة القضائية في كثير من بقاع الأرض مصممة لحماية المعتدي أكثر من حمايتها للمعتدى عليه، والمجتمعات تُدرّب أفرادها منذ الصغر على كتم الألم بدل مواجهة مصدره، والثقافة الشعبية تُمجّد الصبر والتحمل وكأنهما فضيلتان مطلقتان، متناسية أن الصبر على الظلم ليس فضيلة بل هو استسلام مقنّع بثوب القداسة!

وصناعة العلاج النفسي بحد ذاتها، رغم أهميتها الحقيقية حين تُمارَس بنزاهة، تحولت في جزء كبير منها إلى صناعة تُبرّئ الجاني وتُحمّل الضحية عبء الإصلاح!
يُقال للمرأة التي تعرضت للخيانة أن تراجع أنماط تعلقها، ويُقال للموظف الذي استُغل في عمله أن يُعيد النظر في حدوده الشخصية، ويُقال للطفل الذي كبر في بيت مليء بالعنف أن يعالج جروحه الداخلية حين يصبح راشداً!
لكن أحداً لا يسأل المعتدي، لماذا فعلت هذا؟!
ولا أحد يُطالبه بأن يجلس على أريكة العيادة ليواجه نفسه!

المشكلة الأعمق أن هذا الخلل لا يقتصر على العلاقات الفردية، بل يمتد ليصبح فلسفة حياة كاملة تُدرّس بصمت في كل زاوية من زوايا مجتمعاتنا!
فالفاسد يستمر في فساده لأن النظام يحميه، والمتنمر يكبر ليصبح قائداً لأن المجتمع كافأ صلافته، والكاذب يُصدَّق لأنه يتقن فن الكذب أكثر مما يتقن الصادق فن قول الحقيقة!
وفي كل مرة يسقط ضحية جديدة، يهرع الجميع لتقديم النصائح لها عن كيفية النهوض، بينما لا أحد يجرؤ على الوقوف أمام من أسقطها ويقول له كفى!

إن أخطر ما في هذا العالم المقلوب أنه يُطبّع الظلم ويجعله جزءاً من النظام الطبيعي للأشياء، حتى يصل الضحايا أنفسهم إلى قناعة بأن عليهم تحمّل المسؤولية عما حدث لهم، فيبدأون رحلة لوم الذات عوضاً عن رحلة المطالبة بالعدالة!
وهنا تكتمل المأساة، حين يتحول الشفاء من حق إلى عبء، ومن مسار طبيعي للتعافي إلى عقوبة إضافية تُفرض على من أُوذي أصلاً!

وأنا أقول هذا عن تجربة لا عن نظرية مجردة!
فلم يحدث يوماً أن طرق بابي أحد الأشرار وطلب مني أن أساعده على فهم نفسه أو مواجهة قسوته!
لم يأتِني يوماً مستغِلّ يسأل كيف يتعالج من نزعته في الأذى، ولا كاذب جاء يطلب أن يتعلم الصدق، ولا خائن قصدني ليعرف كيف يُرمّم ما كسره في غيره!
كل من طرق بابي، وكل من لجأ إليّ يبحث عن معنى لما أصابه، كان من خيرة الناس، من أولئك الذين مُنحوا قلوباً طيبة فدفعوا ثمنها غالياً على يد من استغل طيبتهم دون رحمة!
وهذه وحدها كافية لتكشف حقيقة هذا العالم المقلوب، فالشر لا يشعر بالحاجة إلى المراجعة لأنه لا يشعر بالذنب أصلاً، بينما الخير يراجع نفسه باستمرار لأنه وحده من يملك ضميراً يُقلقه!

لن يتغير شيء ما دام الطيبون هم من يُطالَبون بالتكيف مع وحشية الأشرار، وما دامت مجتمعاتنا تكافئ الجرأة على الأذى بدل أن تعاقبها!
الحل الحقيقي ليس في مزيد من جلسات العلاج للضحايا، بل في إعادة بناء منظومة قيمية كاملة تُحاسب الجاني قبل أن تطلب من ضحيته أن يبتسم للحياة من جديد!