اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية المقالات لا تتثقف! تحذيرٌ من ضمير حي!

لا تتثقف! تحذيرٌ من ضمير حي!

0
لا تتثقف! تحذيرٌ من ضمير حي!

لطالما نصحتُ الجميع بالثقافة، وعملتُ على ذلك طيلة حياتي، لكن لا بد اليوم من التنويه على مخاطرها الحقيقية، من باب الضمير لا أكثر!

لا تتثقف، فالثقافة لصٌّ ماهر يسرق منك أشياءك الجميلة واحدة تلو الأخرى، ويترك مكانها فراغاً يشبه الحرية!
ستبتعد شيئاً فشيئاً عن التحزب، وتفقد بريق الانتماء الأعمى الذي كان يمنحك دفء القطيع!
ستكتشف أن التعصب كان وسادتك المريحة، وأن الثقافة انتزعتها من تحت رأسك دون استئذان!

لا تتثقف، لأنك ستصبح إنساناً أبعد من المكان الذي وُلدت فيه، وهذا أخطر ما يمكن أن يصيب المرء!
فالانتماء الضيق يمنحك عنواناً واضحاً وهوية جاهزة، أما الثقافة فتأخذك إلى العالم كله، وتجعل من كل إنسان على وجه الأرض قريباً لك بطريقة أو بأخرى، وهذا عبءٌ لا يُطاق!

لا تتثقف، لأنك لن تهنأ بشيء بعد اليوم!
ضميرك سيتحول إلى محكمة دائمة الانعقاد، تستدعيك في منتصف الليل لتسألك عن أناسٍ يتعذبون في الجهة الأخرى من الكرة الأرضية، لا في بلدك فقط، بل في كل بلد!
ستأكل وجبتك وأنت تفكر بمن لا وجبة له!
ستفرح بنجاحٍ صغير وتتذكر فجأة أن هذا الفرح يقف على أنقاض حظٍّ لم يُتَح لغيرك!
الثقافة لا تمنحك سعادة، بل تمنحك وعياً، وهذان أمران لا يجتمعان بسهولة!

لا تتثقف، لأن الجهل نعمةٌ مقيتة الاسم جميلة الأثر!
الجاهل ينام قرير العين، لا يُقلقه غير مصلحته وأسرته وحدود قريته!
أما المثقف فقد وسّع حدود قلبه حتى صارت الكرة الأرضية كلها بيتاً له، وبيتٌ بهذا الاتساع لا يمكن أن يُدفأ بموقدٍ واحد!

لا تتثقف، فالثقافة لا تعطيك أجوبة، بل تُثقلك بأسئلة لا تنتهي!
كل يقين تحمله منذ الطفولة، ستراه يتفكك أمامك حجراً حجراً، وستقف عارياً من الأوهام التي كانت تسترك، ووحده من جرّب هذا العري يعرف بردَه القارس!

لا تتثقف، إلا إن كنت مستعداً أن تدفع الثمن كاملاً!
ثمنُ أن تفقد راحة الانتماء الضيق مقابل اتساعٍ لا يمنحك دفئاً، وثمنُ أن تكسب وعياً لا يمنحك سعادة، وثمنُ أن تصبح إنساناً للعالم كله فيما العالم لا يشعر بك!

ومع ذلك، فمن يقرأ هذا التحذير حتى آخره، فقد فات الأوان على نصيحته؛ فالثقافة سبقته إلى هنا، وها هو يضحك من مفارقتها المُرّة!

وفي النهاية، لا تلمني إن نصحتك بالثقافة يوماً، فأنا أيضاً ضحية هذا الوعي الذي لا يهدأ!
أكتب لك هذا التحذير وأنا أعلم أنك، إن كنت قد وصلت إلى هنا، فقد سبقتك الثقافة إلى عقلك منذ زمن، ولم يعد أمامك سوى أن تحمل عبأها بابتسامةٍ ساخرة، كما يحملها كل من عرف الطريق ولم يستطع العودة!

فمرحباً بك في نادي المتألمين بوعي، حيث لا زعيم ولا انتماء، وحيث الوحدة نفسها تصبح شكلاً من أشكال الرفقة!