اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الشافي الجريح!

0
الشافي الجريح!

سأبدأ هذا المقال من حيث ينتهي معظم الكتّاب: بالاعتراف لا بالاستنتاج!

فمنذ مدة، غاب عني الشغف تماماً! بكلّ شيء، حتى في أي فعل كان يوماً يمنحني معنى!
ومع ذلك، حين يأتيني من يحمل نفس الجرح، أجدني قادراً على مدّ يدي له بكل ما أملك من صدق وخبرة! لكنني أرفض، بإصرار غريب، أن أمدّ هذه اليد لنفسي! هذا التناقض ليس عارضاً شخصياً بحتاً، بل هو نمط نفسي وفلسفي موثّق، يستحق أن يُفكَّك لا أن يُخفى!

في علم النفس التحليلي، صاغ كارل يونغ مفهوم “الشافي الجريح” (Wounded Healer)، وفحواه أن أكثر من يملكون قدرة على مساعدة الآخرين نفسياً، هم غالباً من يحملون جراحاً لم تُشفَ بعد!
فالجرح نفسه هو ما يمنح العين القدرة على رؤية جروح الغير بوضوح!
لكن يونغ نبّه إلى خطر كامن هنا: حين يتحوّل “الشفاء” إلى وظيفة دائمة تجاه الآخرين فقط، يتحوّل الجرح الشخصي إلى مساحة محرّمة، لا يُسمح لأحد بالدخول إليها، ولا حتى لصاحبها! وهذا بالضبط ما وجدت نفسي فيه: أبواب مشرعة لكل من يطرقها بألمه، وباب واحد موصد بإحكام، هو بابي أنا!

ما أشعر به له اسم علمي أدق من “التعب”: الاحتراق النفسي (Burnout)! وهو حالة إنهاك عاطفي وجسدي وذهني، تنتج عن تعرّض مطوّل لضغط دون تعويض داخلي كافٍ! لكن في حالتي، هناك طبقة إضافية أعمق: التعاطف بالوكالة أو ما يُعرف بـ”إرهاق التعاطف” (Compassion Fatigue)! وهي حالة تصيب من يمنحون طاقتهم النفسية باستمرار لمعاناة الآخرين، حتى تنضب قدرتهم على الشعور بأي شيء تجاه أنفسهم!
فالمفارقة أن من يمنح التعاطف للجميع، قد يفقد القدرة على توجيهه نحو ذاته، تماماً كمصباح يضيء الغرفة كلها، إلا الزاوية التي يقف فيها هو نفسه!

وهنا يتقاطع علم النفس مع الفلسفة! فمفهوم “التعاطف الذاتي” (Self-Compassion)، الذي طوّرته الباحثة كريستين نيف، يفترض أن معاملة الذات بلطف عند الفشل أو الألم، ليست ضعفاً بل مهارة نفسية أساسية! لكن كثيرين، وأنا منهم، نشأنا على معادلة معكوسة: مساعدة الآخرين فضيلة تُمدح، وطلب المساعدة لأنفسنا ضعف يُخفى!
وهذه المعادلة المعكوسة تُنتج ما يسميه علماء النفس أحياناً “العجز المتعلَّم” (Learned Helplessness) في اتجاه معاكس تماماً: لسنا عاجزين فعلياً عن مساعدة أنفسنا، بل تعلّمنا، عبر سنوات من التكرار الصامت، أن هذه المساعدة ليست من حقّنا أصلاً!

ومن الناحية الفلسفية، يمكن قراءة هذا الرفض كشكل من أشكال “الهوية المكتسبة عبر الألم”!
فحين يتماهى الإنسان لفترة طويلة مع دور “من يحتمل”، يصبح التخلي عن هذا الدور، حتى لو كان طريق الشفاء، تهديداً لهويته ذاتها! وكأن السؤال الحقيقي ليس “هل أستحق المساعدة”؟!، بل “من أنا إذا لم أعد أحتمل وحدي”؟!
فالإنسان الذي اعتاد أن يكون العمود الذي يستند إليه الجميع، يخشى أن يكتشف الجميع، إن هو مال يوماً، أنه لم يكن عموداً من حديد، بل كان بشراً فقط، يتألم كما يتألمون!

ولعل أخطر ما في هذا النمط، أنه يمنح صاحبه شعوراً زائفاً بالقوة! فالقدرة على احتواء آلام الآخرين تُشعر الإنسان بأنه فوق الحاجة إلى الاحتواء، بينما الحقيقة أن من يحتوي الجميع، هو من يحتاج الاحتواء أكثر من غيره، لأنه الوحيد الذي لا يسمح لنفسه أن يطلبه! وكأن العطاء المستمر تحوّل من فعل إنساني نبيل، إلى قناع يُخفي خلفه إنسان تعب من العطاء، لكنه لا يجرؤ أن يعترف بذلك حتى لنفسه!

وأنا نفسي لم أخرج عن هذا النمط، بل مارسته بصورة مختلفة! فبدل أن أواجه نفسي مباشرة، كما أفعل مع كل من يلجأ إليّ بألمه، هربت إلى تأسيس أعمالي الخاصة! وخلال شهرين فقط، حقّقت نجاحاً يحتاج غيري أشهراً، وربما سنوات، للوصول إليه! لكن بدل أن أفرح، وجدت نفسي منهكاً جسدياً، ولا أي شغف يستيقظ بداخلي، ولا حتى فرحة نجاح تليق بحجم ما تحقق! وكأن الجسد أنجز والروح غابت عن الاحتفال!

ولهذا قررت أن أكتب عن الموضوع، لا باعتباره شأناً شخصياً بحتاً، بل لأنه يصيب كثيرين ممن يظنون أن الانشغال بديل عن الشفاء! حتى غيابي عن العالم الافتراضي، وابتعادي عن النت لم يفدني بالشكل الذي توقعته! أعترف أن ابتعادي عن مواقع “الرفض الاجتماعي” جعلني أقل غضباً بلا شك، لكنه لم يعدني للشغف بالحياة كما كنت من قبل! فالهدوء ليس دائماً دليلاً على الشفاء، وأحياناً هو مجرد صمت الجسد وهو ينتظر أن تلتفت الروح إليه!

لن أدّعي أنني وصلت لحل! فمن يكتب عن الاحتراق وهو لا يزال بداخله، لا يملك رفاهية الحكمة النهائية! لكن ما تعلّمته في هذه الجلسة الصباحية الصادقة مع نفسي، أن رفض المساعدة ليس قوة، بل استمرار لنمط قديم يستحق أن يُفهم قبل أن يُكرَّر! فالشافي الجريح، حين يعترف بجرحه أمام نفسه، لا يفقد قدرته على شفاء الآخرين، بل يستعيد حقه في أن يكون إنساناً كاملاً، لا وظيفة دائمة لاحتواء آلام غيره فقط!
وربما تكون هذه الكلمات، رغم كل شيء، أول خطوة حقيقية نحو ذلك الاعتراف!