اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية المقالات هل نسي الناس كيف يضحكون؟!

هل نسي الناس كيف يضحكون؟!

0
هل نسي الناس كيف يضحكون؟!

جملة واحدة، عابرة في حديثٍ عادي، تحولت إلى مسمار غُرز في جمجمتي!

قالها جاري لي بلا مقدمات:

Die Menschen haben verlernt zu lachen!
الناس فقدوا القدرة على الضحك!

ابتسمتُ لحظتها من غرابة العبارة، ثم اكتشفت بعد ثوانٍ أنها كانت تصفني أنا أيضاً!

جلستُ أفتش في ذاكرتي عن آخر مرة ضحكتُ فيها من القلب، لا من باب المجاملة، ولا بدافع اللياقة الاجتماعية، بل ضحكة تهزّ الجسد، وتُسقط القناع، وتجعل العينين تدمعان من شدتها، فلم أجد شيئاً قريباً!
سنوات مرّت، ربما منذ ما قبل الجائحة، وكأن فيروساً صغيراً لم يكتفِ بإغلاق الحدود، بل أغلق باباً خفياً داخل الإنسان نفسه!

لطالما كنت أرى في الضحك أعلى درجات التأكيد على الحياة!
فمن يضحك بحق، يقول “نعم” للعالم رغم عبثيته ورغم ثقله!
وطالما اعتبرت الضحك، على حدّة حياتي وجدّيتها، ليس هروباً من المأساة، بل انتصاراً عليها من الداخل، لأنه يحتاج إلى شجاعة حقيقية كي تبقى روحك خفيفة وسط كل هذا الركام من الجدية المفروضة علينا!
لكن ماذا لو أصبحت الجدية هي الهوية الوحيدة المسموح بها؟!
ماذا لو تحولت إلى قناع اجتماعي إلزامي، وأصبح الضحك دليلاً على السطحية، أو قلة الاحترافية، أو حتى الغباء؟!
نحن نعيش في زمن يكافئ من يبدو منشغلاً باستمرار، ومن يبدو منتجاً باستمرار، ومن يبدو مثقلاً باستمرار، بينما ينظر بريبة إلى من يضحك بصوتٍ عالٍ، وكأن الفرح تهمة يجب تبريرها!

وربما هذا ما يفسّر لماذا سرق منطق الإنتاج الدائم لحظتنا الحاضرة!
فالضحك يحتاج إلى حضورٍ كامل في اللحظة، لا إلى عقلٍ يسكن المستقبل، ولا إلى قلبٍ عالق في الماضي! لكن الإنسان المعاصر نادراً ما يعيش لحظته، فهو إما يحسب فاتورة الشهر القادم، أو يقارن حياته بصورة مصقولة على شاشة هاتفه، أو يطارد هدفاً مهنياً جديداً، أو يقلق من خبرٍ لم يقع بعد!
وحين يتحول الإنسان إلى آلة إنتاج لا تعرف التوقف، يصبح الضحك عطلاً في النظام، واستراحةً تبدو غير مبررة اقتصادياً!
وهكذا ندفع ثمن هذا الانشغال المزمن بأثمن ما نملك: القدرة على أن نفرح بلا سبب، وأن نضحك بلا إذن من أحد!

وفي الوقت نفسه، استبدلنا الضحكة بالإيموجي، والفعل بالرمز، والتجربة بصورة رقمية عنها!
أصبحنا نستهلك محتوى مضحكاً أكثر من أي وقتٍ مضى، لكننا نضحك أقل من أي وقتٍ مضى!
هناك فرقاً كبيراً وذا تأثير بين الضحك التلقائي الحقيقي، الذي تشارك فيه عضلات الوجه كلها وينبع من متعة أصيلة، وبين الضحك الاجتماعي الذي يؤدي وظيفة المجاملة أو تخفيف التوتر!
واليوم، نشاهد عشرات المقاطع الكوميدية، فنبتسم بصمت، أو نكتب “😂”، ثم نتابع التمرير!
أصبح التعبير عن الفرح أداءً رقمياً أكثر منه تجربةً إنسانية يعيشها الجسد بكل تفاصيله!

لكن لا ننسى أنه من الناحية النفسية، الضحك الحقيقي يحتاج أيضاً إلى شعورٍ أساسي بالأمان!
فالجهاز العصبي لا يسمح للجسد بالاسترخاء الكافي لإطلاق ضحكةٍ عفوية إذا كان يعيش في حالة تأهبٍ دائم! والقلق الاقتصادي، وسيل الأخبار الذي لا يتوقف، والإحساس العام بعدم الاستقرار، كلها تجعل الإنسان يعيش وكأنه ينتظر كارثةً وشيكة!
ولم تكن جائحة كورونا سبباً وحيداً لهذا الخوف، لكنها كشفت حجمه الحقيقي، فقد وجد الفيروس أرضاً كانت مهيأة للقلق منذ سنوات!

وليس غريباً أن يسخر نيتشه من الجدية المفرطة، لأنها كثيراً ما تكون قناعاً يخفي الخوف لا الحكمة! أما هنري برغسون، فقد رأى أن الضحك يوقظ الإنسان كلما بدأ يتحول إلى آلة!
وكأن الضحكة ليست مجرد استجابة للمرح، بل وسيلة لإعادة الحياة إلى ما تجمد في داخلنا!
فمن يضحك بصدق لا يدّعي امتلاك كل الأجوبة، ولا يخشى أن يبدو إنساناً عادياً، لأنه تصالح مع نقصه، ومع عبثية العالم، ولم يعد مضطراً إلى ارتداء قناع الوقار طوال الوقت!

ولعل السؤال ليس: لماذا نسي الناس كيف يضحكون؟! بل: لماذا أصبح الضحك الحقيقي نادراً إلى هذا الحد؟!
ربما لأن العالم الحديث يحتاج إلى إنسانٍ قلق، ومنشغل، وخائف، ومنتج باستمرار، يحتاجه مستهلكاً أكثر مما يحتاجه إنساناً!
لكن حين تموت الضحكة، لا يموت الفرح وحده، بل يموت آخر دليل على أن الإنسان ما زال يعيش… لا يعمل فحسب!

لذلك، لنجرب مرةً واحدة أن نغلق الهاتف، وأن نجلس مع من نحب، وأن نضحك بلا سبب، وبلا مجاملة، وبلا جمهور، وبلا شاشة!
فقد نكتشف أن أكثر ما سرقته منا السنوات الأخيرة لم يكن المال، ولا الوقت، ولا حتى الطمأنينة… بل تلك الضحكة التي كانت تهزّ الجسد كله، وتخبرنا، دون كلمات، أننا ما زلنا أحياء!