
حين يقول لك أحدهم: هذا موجود منذ الأزل! فاعلم أنك لا تسمع معلومة تاريخية، بل تتلقى أمراً مبطناً بإيقاف عقلك!
إنها واحدة من أخطر الجمل في تاريخ الفكر الإنساني، لأنها لا تشرح أصل الفكرة، بل تلغي الحاجة إلى البحث عنه!
فالأزل، حين يُستخدم لتبرير الأفكار والعادات والسلطات، ليس تفسيراً، بل جداراً يُبنى حول السؤال حتى لا يقترب منه أحد!
ما إن تُوصف فكرة بأنها “أزلية”، حتى تتحول في نظر الناس إلى شيء لا يُناقش، ولا يُفحص، ولا يُختبر، بل يُطاع فقط!
لكن السؤال الذي يخشاه الجميع بسيط إلى حد الإرباك:
من صنع هذا “الأزل”؟!
كل عادة، وكل قانون، وكل عقيدة، وكل “حقيقة مقدسة”، وُلدت في لحظة تاريخية محددة! صنعها إنسان له اسم، وله مصلحة، وله ظروف سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية دفعته إلى صياغتها بهذا الشكل، لا بغيره!
ثم مر الزمن…
اختفى الاسم، وضاع السياق، ومات أصحاب المصالح، وبقي القرار وحده، معلقاً فوق رؤوس الناس، وكأنه لم يخرج يوماً من عقل إنسان، بل هبط كاملاً من السماء!
وهنا تبدأ الخدعة الكبرى…
يتحول القرار البشري إلى قانون كوني، ويتحول الاختيار إلى قدر، ويتحول الرأي إلى حقيقة أبدية، ثم يُطلب منك أن تركع أمام ما صنعه بشر مثلك تماماً!
ليست القداسة دائماً صفة للحقيقة، بل كثيراً ما تكون أداة لحماية السلطة!
كان نيتشه يقترح سؤالاً بسيطاً، لكنه يهدم إمبراطوريات كاملة:
من المستفيد من هذه القيمة؟!
ومن يخسر إذا سقطت؟!
فالقيم لا تعيش لأنها صحيحة بالضرورة، بل كثيراً ما تعيش لأنها تخدم توازن قوى معيناً، سياسياً كان، أو دينياً، أو اجتماعياً!
ولهذا، فإن كل سلطة تخشى السقوط، تلجأ إلى الحيلة نفسها: تُلبس قراراتها ثوب القداسة، حتى يصبح الاعتراض عليها جريمة أخلاقية، لا مجرد اختلاف مع رأي بشري!
تأمل معظم ما يحيط بك…
كم فكرة قيل لك إنها أزلية، ولو عدت إلى بدايتها لاكتشفت أنها وُلدت في ظرف تاريخي محدد، لخدمة حاجة محددة، ثم فقد الناس ذاكرتهم، وبقيت هي وحدها تتظاهر بأنها أقدم من الزمن!
ولو سألنا ثلاثة أسئلة فقط:
متى بدأت هذه الفكرة؟!
ومن قالها أول مرة؟!
ولماذا قيلت في تلك اللحظة تحديداً؟!
لانهارت هالة “الأزلية” في ثوانٍ، ولخرج من خلف القناع إنسان عادي، بضعفه، وخوفه، وحساباته، ومصالحه، لا قوة غيبية تحكم الكون!
هذا لا يعني أن كل قديم باطل، كما أنه لا يعني أن كل جديد صحيح!
فالقدم ليس دليلاً على الحقيقة، والجدة ليست دليلاً على الخطأ!
الفكرة لا تُقاس بعمرها، بل بقدرتها على الصمود أمام العقل!
ولهذا، فإن الحرية لا تبدأ برفض الموروث، ولا بتقديسه، بل تبدأ حين يمتلك الإنسان الشجاعة ليسأل عن أصل كل ما ورثه، ثم يختار بعقله، لا بخوفه، ما يستحق أن يبقى، وما يستحق أن يرحل!
فكل فكرة تطلب منك احترام عمرها بدلاً من الدفاع عن نفسها بالحجة، هي فكرة تعرف في أعماقها أنها ستنهار في اللحظة التي يبدأ فيها السؤال!