اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

محكمة الأسباب!

0
محكمة الأسباب!

كم من جريمة ارتُكبت باسم “الأسباب”، وكم من حلم دُفن تحت ركامها؟!
لا تصدّق عقلك كلما بدأ يشرح لك لماذا فعلت، أو لماذا لم تفعل!
ففي أغلب الأحيان، لا يكون العقل قد صنع القرار، بل يكون قد وصل متأخراً ليكتب بيان الدفاع عنه!
وما نسميه “أسباباً” ليس دائماً بحثاً عن الحقيقة، بل كثيراً ما يكون القناع الذي يرتديه الجبن، والزينة التي تتزين بها الشهوة!

هناك جملة صغيرة، لو تأملها الإنسان بصدق، لكشفت له أكثر مما تكشفه سنوات من التحليل النفسي؛ فكل واحد منا يحمل في داخله محكمة صغيرة تصدر أحكامها قبل أن تُفتح الجلسة، ثم تستدعي “الأسباب” كشهود زور لتبرير حكم صدر أصلاً!
وهذا المقال محاولة لفهم هذه المحكمة الداخلية، ولماذا يخدعنا منطقنا في أكثر اللحظات التي نظن فيها أننا نفكر بعقلانية!

لاحظ نفسك في اللحظة التي تقف فيها أمام قرار يخيفك! أنت لا تفكر حينها، أنت تبحث! تبحث عن سبب، عن أي سبب، يمنحك الإذن بالهروب!
وهذا هو الفرق الجوهري الذي يغفل عنه أغلب الناس: التفكير يسبق القرار، أما البحث عن الأسباب فيأتي بعده، كخادم مأمور يُرسَل لتبرير ما قرره سيده الخائف سلفاً!
فالعقل، في هذه اللحظة، لا يعمل كعقل، بل كمحامي دفاع استأجرته الغريزة! وكل “لماذا لا أفعل هذا؟!” ليس سؤالاً بريئاً، بل حكماً صدر، ثم أُرسِل العقل ليكتب حيثياته!
هذه هي الحقيقة المؤلمة: أغلب من يتردد لا يتردد لأنه يفكر بعمق، بل لأنه يخاف بعمق، ثم يُلبس خوفه ثوب التفكير!

ولا أعني بذلك كل قرار يتخذه الإنسان! فالعقل قادر على التفكير الحقيقي حين يتحرر من ضغط الخوف والشهوة، لكن حديثي هنا عن تلك اللحظات التي يكون فيها القرار قد وُلد في الأعماق، ثم يأتي المنطق متأخراً ليمنحه شهادة حسن سلوك! عندها لا يقود العقل القرار، بل يتولى الدفاع عنه!

وعلى النقيض تماماً، حين تجد نفسك تكدّس الأسباب لتبرر فعلاً تريده، فاعلم أن الرغبة قد ركبت عقلك منذ اللحظة الأولى، والعقل هنا لا يوازن، بل يزيّن!
إنه لا يبحث عن الحقيقة، بل عن غطاء أنيق لشهوة تريد أن تُشبَع دون أن تشعر بالخزي!
كل إنسان انغمس في خطأ يعرفه، ثم برّره بألف حجة، لم يكن يبحث عن الصواب، كان يبحث عن راحة الضمير المزيفة! والأسباب هنا ليست برهاناً، بل زخرفة! ليست منطقاً، بل رشوة يقدمها العقل لنفسه كي يصمت!

تأمل مثلاً ذلك الموظف الذي يمضي سنوات في عمل يكرهه!
كل يوم يخبر نفسه أن الوقت غير مناسب، وأن الظروف صعبة، وأن الراتب لا يمكن الاستغناء عنه، وأن الفرصة الأفضل ستأتي لاحقاً!
تبدو الأسباب منطقية، لكنها كثيراً ما تكون مجرد ستار يخفي الحقيقة: إنه خائف من المجهول!
وفي المقابل، تأمل إنساناً خان شريك حياته، ثم راح يسرد عشرات المبررات: العلاقة كانت ميتة، لم أعد أشعر بالتقدير، الظروف دفعتني…
بينما الحقيقة أن الخيانة حدثت أولاً، ثم بدأ العقل بعد ذلك بكتابة مرافعة الدفاع عنها!

والمشكلة ليست في وجود الأسباب، فالأسباب موجودة دائماً، لكل شيء، في كل اتجاه!
المشكلة في متى تظهر وكيف تُستخدم!
فإن ظهرت لتمنعك عن فعل صائب تخافه، فهي كذبة تحميك من ألم مؤقت، وتُغرقك في ندم لا ينتهي!
وإن ظهرت لتدفعك نحو فعل تعرف خطأه، فهي كذبة تُرضي شهوة اللحظة، وتُفقر مستقبلك بصمت!
وهذه القاعدة، إن تأملتها، تكشف أن أغلب “التفكير” الذي يمارسه الناس ليس تفكيراً حقيقياً، بل تبريراً مؤجلاً!
والفارق بين الحكيم والجبان ليس في كثرة الأسباب التي يجدها كل منهما، بل في موقعه منها: هل هو سيد عليها، أم عبد لها؟!

والحرية ليست في أن تفعل ما تريد، بل في أن تفعل ما تعرف أنه صائب، رغم كل سبب يقول لك: لا!
والحرية أيضاً أن تمتنع عما تريد، رغم كل سبب يقول لك: نعم!
فمن يحتاج ألف حجة ليقنع نفسه بفعل الصواب، ومن يحتاج ألف حجة ليقنع نفسه بترك الخطأ، كلاهما يعرف الحقيقة فعلاً، وكلاهما يمارس هروباً ذكياً منها، بمساعدة عقله هو نفسه!
والإنسان الحر هو من يفعل الصواب دون أن يحتاج تبريراً، ويترك الخطأ دون أن يحتاج تسويغاً!
لأنه لا يخدع نفسه بلعبة الأسباب، بل يرى المسافة بين ما يريده وما يعرفه، ويختار المعرفة، حتى لو كلّفته الرغبة!

وهنا سؤال يستحق أن تسأله نفسك كلما وقفت أمام “سبب” يبدو مقنعاً: هل هذا السبب مستعد أن يتغيّر لو تغيّرت الحقيقة أمامه، أم أنه مغلق سلفاً على نتيجة واحدة لا يقبل غيرها؟!
فالتفكير الحقيقي هش بطبيعته، منفتح، قابل لأن يقودك إلى نتيجة لم تكن تريدها أصلاً!
أما التبرير فمتين بلا داعٍ، لأنه لم يُبنَ ليكتشف شيئاً، بل ليُثبّت ما تقرر مسبقاً!
فإن وجدت نفسك تدافع عن “سببك” بحماسة من يخشى أن يُهزم، لا بهدوء من يبحث عن الصواب، فاعلم أنك لست أمام تفكير، بل أمام قرار سابق يرتدي عباءة المنطق!
وعلامة أخرى بسيطة: التفكير الحقيقي يتحمل السؤال “ماذا لو كنت مخطئاً؟!” دون أن يهتز، أما التبرير فيهرب من هذا السؤال، أو يتجاهله، أو يغضب منه!

خذها قاعدة لحياتك: لا تخف من الإنسان الذي يخطئ، بل من الإنسان الذي يملك دائماً سبباً لكل خطأ!
ولا تثق كثيراً بمن يملك تفسيراً جاهزاً لكل تراجع، ولكل خيانة، ولكل جبن، لأن أخطر الأكاذيب ليست تلك التي نقولها للناس، بل تلك التي نُقنع بها أنفسنا حتى ننام بسلام!
ومنذ تلك اللحظة، لا يعود العقل دليلاً إلى الحقيقة، بل يصبح موظفاً في دائرة تبرير الوهم!

في المرة القادمة التي تجد نفسك فيها تبحث عن سبب، اسأل نفسك: هل أبحث عنه لأمنع نفسي عن الخوف، أم لأمنح نفسي الإذن بالخطأ؟ فالجواب سيكشف لك، أكثر من أي تحليل آخر، من أنت فعلاً، لا من تظن أنك هو!