
بين يسارٍ أحمق ويمينٍ غاضب… ألمانيا على حافة البركان!
لو قلت لك إن أخطر ديكتاتور عرفه التاريخ الحديث لم يصل إلى السلطة بدبابة، ولم يُفتح له الطريق بانقلاب عسكري، بل جاء حاملاً في يده ورقة اقتراع نظيفة وعلى وجهه ابتسامة الفائز الشرعي، هل ستصدق؟!
هذا بالضبط ما فعله أدولف هتلر!
لم يسرق ألمانيا، بل انتخبته ألمانيا!
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي الذي لا يريد أحد أن يسأله، لأن السؤال نفسه يُعدّ “خطيئة فكرية” في عصر تقديس الديمقراطية: هل الديمقراطية ضمانة للعدل، أم مجرد أداة يحملها من يصل إليها أولاً؟!
هتلر لم يأتِ على ظهر دبابة كطغاتنا الأكارم!
الكثير من العرب حين يسمعون اسم هتلر، يتخيلون جنرالاً انقلابياً يشبه طغاتنا الخالدين الذين يورّثون الكراسي لأبنائهم كما يورّثون الأثاث!
لكن الحقيقة أكثر إزعاجاً من ذلك بكثير!
هتلر صعد من رحم الإذلال الجماعي الذي فرضته معاهدة فرساي عام 1919 على الألمان، تلك المعاهدة التي قرر فيها المنتصرون أن يُحمّلوا شعباً بأكمله وزر حرب عالمية، ويُغرقوه بالغرامات المالية الخيالية، والتنازلات الإقليمية المُهينة، والإذلال الرسمي المُوثَّق أمام العالم!
والأسوأ من الإذلال الخارجي، أن الأحزاب اليسارية الحاكمة داخل ألمانيا، وتحديداً الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وقّعت تلك الاتفاقيات المُهينة بأيدٍ مرتجفة ونوايا “برغماتية”، وأقنعت نفسها أن الانبطاح للخارج فضيلة دبلوماسية، وأن القبول بالإهانة حكمة سياسية!
والشعب الجائع المهان لا يحتاج إلى برامج انتخابية مُفصّلة ولا إلى خطط اقتصادية معقدة، يحتاج فقط إلى صوت يصرخ ما يشعر به، ويُسمّي ما يؤلمه بالاسم الصريح دون اعتذار!
وهتلر كان ذلك الصوت!
هذا ليس دفاعاً عن هتلر، هذا تشريح بارد للحظة التاريخية الموثّقة التي تتحول فيها الديمقراطية من نعمة إلى فخ، حين يُفرز الإذلال الجماعي وحشه الخاص من رحم صناديق الاقتراع!
التاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يتلعثم بنفس الكلمات!
اليوم، وبعد ثمانين عاماً، تقف ألمانيا مرة أخرى أمام مشهد يشبه ذلك المشهد بشكل يُقلق العقلاء ويُثير سخرية المتفرجين!
حين فتحت ميركيل الأبواب الألمانية عام 2015 بقرارها الشهير “Wir schaffen das” قرار منفرد صدم حتى حلفاءها داخل حزبها اليميني الوسطي – سارعت الأحزاب اليسارية، وعلى رأسها الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر، لتتبنى القرار بحماس منقطع النظير، وجعلت كل انتقاد له جريمة أخلاقية يُعاقب عليها اجتماعياً وقانونياً! واستقبلت معاً موجات هجرة ضخمة لم تكن البنية الاجتماعية الألمانية مهيأة لاستيعابها، ولم تكن الدولة صادقة مع نفسها في تقييم تبعاتها الأمنية والاقتصادية والاجتماعية!
النتيجة لم تكن مفاجأة إلا لمن أراد أن يُفاجأ!
ألمان يدفعون ثمن سياسات لم يُستشاروا فيها بشكل حقيقي، من أمانهم في الشوارع والمحطات وأماكن الترفيه، ومن رفاهيتهم التي بنوها بكدّهم عقوداً متواصلة، ومن شعورهم بالانتماء لوطن بات يُحرج من علمه قبل أن يُحرج من سياساته!
حين تتحول الحرية إلى هراء مُقنَّن!
لنتوقف هنا طويلاً، لأن هذه النقطة تكشف بشكل جليّ حجم الخلل الفكري الذي وصلت إليه الأحزاب اليسارية الغربية!
منذ فجر الإنسانية، عرف البشر في كل حضارة وكل ثقافة وكل قارة حقيقة واحدة بسيطة: الجنس البشري ذكر وأنثى!
ليست هذه مسألة دينية، ولا موروثاً ثقافياً يمكن تجاوزه بالتنوير، بل هي حقيقة بيولوجية يُؤكدها العلم قبل أن يُؤكدها أي نص أو تقليد!
لكن الأحزاب اليسارية في ألمانيا والغرب عموماً، في موجة من التسابق على “التقدمية”، قرّرت أن تُعيد تعريف الإنسان من الصفر، فأنتجت قوائم تضم 27 جنساً أو تزيد، وباتت تُدرَّس في المناهج، وتُفرض في اللغة الرسمية، وتُعاقَب على رفضها!
أنا ضد هذا التوجه الغبي، وأقولها صريحاً دون اعتذار!
لا لأنني أكره أحداً أو أُريد إيذاء أي إنسان في خياراته الشخصية، بل لأن فرض هذيان أيديولوجي على المجتمع بأكمله باسم الحرية هو التناقض الأفضح في تاريخ “التحررية”!
حريتك تنتهي حين تُلزمني بأن أُعيد تعريف الواقع لأُرضيك!
والمشكلة ليست في وجود ناس تعيش حالات مختلفة؛ المشكلة أن تُحوّل الأيديولوجيا هذا الاستثناء إلى قانون عام يُطبَّق على الجميع بالترهيب لا بالإقناع!
وحين يُعلَّق علم قوس القزح بدل علم ألمانيا في الفضاء العام الألماني، وحين يُصبح رفع علمك الوطني في وطنك إشارة مريبة تستدعي التوضيح والاعتذار، فنحن لم نعد نتحدث عن حرية، بل عن استبدال ثقافي مفروض بالقانون!
وهذا ما أسميته بالديكتاتورية الناعمة؛ حين يُصبح الرأي جريمة!
الديكتاتور التقليدي واضح المعالم؛ يضربك، يسجنك، يُخيفك بالبندقية والزنزانة!
لكن ما تُنتجه الأحزاب اليسارية الغربية في نسختها الألمانية الراهنة أكثر خبثاً وأشد إيلاماً على المدى البعيد!
هنا لا أحد يعذبك جسدياً!
لكن حين تقول رأيك بصدق، رأياً طبيعياً يُشاركك فيه ملايين البشر عبر التاريخ، تجد نفسك فجأة أمام تسمية واحدة جاهزة: عنصري، متطرف يميني، ناشر للكراهية!
وهذه التسمية كافية لتُدمّر حياتك!
في ألمانيا اليوم، إن قلت في العلن أنني أعتقد أن الجنس البشري ذكر وأنثى، قد تجد نفسك أمام شكوى قانونية!
إن انتقدت سياسات الهجرة بأرقام وحجج موضوعية، ستُصنَّف قبل أن تُناقَش!
كألماني، إن رفعت علم بلدك الذي وُلدت فيه ودفعت ضرائبه عقوداً، ستجد من يُحدّق فيك بعيون مليئة بالشك!
ومع ذلك، وبوقاحة منقطعة النظير يكلمونك عن الديمقراطية وحرية الرأي!
الألماني اليوم يعمل كالآلة، ثم يدفع نصف ما كسبه ضرائب وتأمينات، ثم يمشي بجانب الحائط خشية أن تُفسَّر خطوة واحدة خارج الخط المرسوم على أنها “تطرف”!
البيروقراطية من جهة، والشرطة الأيديولوجية من جهة أخرى، وفي المنتصف إنسان عادي يُريد فقط أن يعيش في وطنه بكرامة!
هذه ليست ديمقراطية، هذه ديكتاتورية تلبس بدلة أنيقة وتحمل شهادة جامعية!
“صُنع في ألمانيا” من فخر العالم إلى خجل الداخل!
كانت هذه العبارة تفتح كل الأبواب على مستوى العالم!
“صُنع في ألمانيا” كانت تعني الدقة، والجودة، والالتزام، والكبرياء الصناعي لشعب بنى نفسه من رماد الحرب مرتين!
اليوم، وبفضل سياسات يسارية طاردت الصناعة باسم البيئة وأغرقت الاقتصاد بأعباء لا تنتهي، وأضعفت القرار الاقتصادي بالتبعية للخارج على حساب الداخل، باتت ألمانيا تتصدر قوائم أضعف الاقتصادات الأوروبية أداءً!
الدولة التي كانت محرك أوروبا صارت تعثّره!
نعم، أغلقوا المفاعلات النووية الآمنة باسم البيئة، وعادوا لحرق الفحم بعدها!
لا تضحك، أو اضحك؛ فكلاهما ردّ فعل منطقي!
والأحزاب اليسارية التي دجّنت الألماني حتى صار يخشى رأيه الخاص، دجّنت معه اقتصاده حتى صار يُموّل الخارج ويُضيّق على الداخل، وتستغرب اليوم حين يُصوّت الناس بغضب!
ما الذي كانوا يتوقعونه؟!
اللاجئون؛ حين تُحوّل العاطفة الحسنة إلى كارثة منظّمة!
لا يمكن لأي تحليل أمين أن يتجاهل هذا الجانب المُزعج!
كثير من اللاجئين الذين فتحت لهم ألمانيا أبوابها بنوايا إنسانية حسنة، قدّموا للأسف أسوأ صورة ممكنة أمام المجتمع المُضيف – سواء بالجرائم الموثّقة، أو بالرفض الصريح للاندماج، أو بالاستهزاء العلني بمن منحهم الأمان!
هذا لا يعني أن كل لاجئ مجرم – فهذه مغالطة بسيطة يجب أن نرفضها!
لكنه يعني أن سياسة “افتح الباب للجميع بلا تمييز ولا تخطيط” ليست إنسانية، بل هي تهور عاطفي يدفع ثمنه المواطن البسيط من أمانه ورزقه وطمأنينته!
الإنسانية الحقيقية تحتاج إلى عقل يُديرها، وإلا تحوّلت من فضيلة إلى مشكلة يدفع ثمنها من لا ناقة له فيها ولا جمل!
حزب البديل؛ الغضب المفهوم، والسؤال الذي لا جواب سهل له!
حزب البديل لألمانيا لم يُخترَع في مختبر، بل صنعه اليسار بيديه!
كل سياسة حمقاء، وكل باب مفتوح بلا حساب، وكل مواطن صُفّق على وجهه بتهمة العنصرية حين شكا، كان يُضخّ صوتاً إضافياً في صناديق اقتراع البديل!
خطابه وطني بامتياز: يريد إعادة الهوية الألمانية، وضبط الهجرة، واستعادة القوة الاقتصادية، وتقليص البيروقراطية، وتخفيض الضرائب، وكرامة المواطن في داخل وطنه قبل الحديث عن إنسانية الخارج!
وهنا أتوقف لأسأل سؤالاً بسيطاً يُربك كل المنظّرين اليساريين: أليس هذا ما تفعله كل دول العالم؟!
انظروا إلى دول الخليج العربي، تلك الدول التي تُسفّر عشرات الآلاف من المخالفين سنوياً بقرار إداري بارد، دون محاكم ولا ضجيج ولا “ليالٍ إنسانية” على شاشات التلفزيون! تفعل ذلك بكل فخر واطمئنان، ولا تجد في قاموسها كلمة “اعتذار”!
فهل خرجت عليها المنظمات اليسارية الدولية بحملات الإدانة والتصنيف والتشهير؟!
هل وصفوا الإمارات أو السعودية بـ”التطرف اللاإنساني” حين رسمت حدوداً صارمة لمن يبقى ومن يُرحَّل؟!
بالطبع لا!
لأن المعيار اليساري ليس إنسانياً، بل هو انتقائي بامتياز! يُطبَّق على ألمانيا ويُغضّ الطرف عنه في الخليج، ويُصرَّح به في برلين ويُصمَت عنه في الرياض!
فإذا كان ضبط الهجرة وحماية المواطن “فاشية” في ألمانيا، فماذا يكون في دبي وأبوظبي والكويت؟!
صمتهم هو الإجابة!
وأنا أفهم لماذا يُصوّت الألمان لهذا الحزب، أفهمه تماماً ولا أستغربه لحظة!
بل أكثر من ذلك: أنا من أوائل من صوّتوا له قبل سنوات، وسأصوّت له قريباً (رغم معرفتي المسبقة بأن هذا قد يفتح عليّ جحيم اليساريين بكل مؤسساتهم)!
لأن ألمانيا وطني الذي اخترته لنفسي قبل أكثر من عقدين، وأنا اليوم أكاد أختنق من “ديمقراطية اليساريين” التي حمّلتنا أعباءً لم نعد قادرين على تحملها، من ضرائب تسحق أعمالنا، إلى غلاء يسحق المعيشة، إلى فرض أيديولوجيا غبية تخالف أحكام الطبيعة والعلم في آنٍ معاً!
حين يرى الإنسان، أياً كان أصله ومهما كانت جنسيته أو وطنه الذي اختاره يتغيّر بسرعة لم يختَرها ولم يُستشَر فيها، حين يرى علمه مثار شك وعلم غيره مرفوعاً بفخر، حين يدفع نصف راتبه لتمويل سياسات يرفضها، حين يُعامَل بمعيار لا يُطبَّق على أحد سواه في العالم، فإن توجّهه نحو أي صوت يُسمّع ألمه أمر طبيعي كالماء الذي يجد منفذاً!
لكنني لن أبيع أحداً وهماً!
فهم الغضب لا يعني ضمان الحل!
والغلطة الكُبرى التي يرتكبها اليسار الألماني اليوم – أكبر حتى من غلطة فتح الحدود – هي محاربة حزب البديل بدل استيعابه!
يُصنّفونه، يُحاصرونه، يُشبّهونه بالنازية، ويُطاردون كل من يُصوّت له بتهم جاهزة! (يكفي أن يفلتوا عليك مكتب الضرائب أو مافيات التأمينات الصحية الحكومية، حتى ترى النجوم في وضح النهار)!
والنتيجة؟!
الغاضب الذي تُحاصره وتُجرّمه لا يتراجع، بل يزداد غضباً ويزداد تشدداً!
الغاضب الذي يشعر أن لا أحد يسمعه ولا أحد يفهمه، سيقبل بأي حل يُقدّمه أي شخص يرى فيه صوتاً ضد من أغضبه، حتى لو كان ذلك الحل كارثة!
هكذا بالضبط جاء هتلر، لم يأتِ لأن الألمان كانوا أشراراً، بل لأن أحداً لم يسمع الألمان قبل أن يصرخوا!
فهل يعني هذا أن حزب البديل هو هتلر جديد؟!
لا!
وهذه المقارنة السطحية هي جزء من المشكلة لا من الحل!
هل ترامب كان هتلر حين رفع شعار “أمريكا أولاً”؟!
هل كل دولة تضع مصالح مواطنيها في المقدمة تصبح تلقائياً فاشية؟!
المصالح الوطنية ليست عنصرية، بل هي الغاية الأولى لأي حكومة في أي مكان على وجه الأرض!
والعولمة التي روّج لها اليسار كحل سحري لكل مشاكل الإنسانية، أثبتت فشلها الذريع أمام أعيننا!
لا يوجد اتفاق واحد في العالم يُطبَّق بالتساوي على جميع الدول، لا في مجال البيئة، ولا التجارة، ولا حقوق الإنسان، ولا أي شيء آخر!
الكبار يأخذون ويُملون، والصغار يوقّعون ويدفعون، وتُسمّى هذه العملية “نظاماً دولياً”!
إذن ما الحل؟!
الحل ليس في محاربة حزب البديل بالشعارات والمحاكم والتصنيفات!
الحل في أن يفهم الجميع – أحزاباً ومثقفين وإعلاماً – أن غضب الناس حقيقي وله ما يُبرره، وأن الطريق الوحيد لتجاوز هذه المرحلة الخطيرة هو الاستيعاب والحوار والعمل معاً من أجل ألمانيا أقوى وأكرم لمواطنيها!
لأن البديل عن الحوار ليس الاستقرار؛ بل هو الانفجار!
وحين ينفجر الغاضب المحاصَر، لا تنفع معه خطب الديمقراطية، ولا أعلام قوس القزح، ولا بيانات منظمات حقوق الإنسان!
فلكل فعل ردّ فعل، هذه ليست سياسة، هذه فيزياء اجتماعية لا تتفاوض ولا تستجيب للشعارات!
الشعب الذي يُذلَّل طويلاً يُنتج غضباً، والغضب يبحث عن صوت، والصوت لا يشترط أن يكون حكيماً ليكون مسموعاً ومؤثراً!
ألمانيا اليوم تقف على حافة بركان حقيقي، ليس بالمعنى المجازي الرخيص، بل بكل ما تعنيه الكلمة من احتمالات تاريخية رهيبة!
والسؤال الذي ينتظر إجابة ليس: هل سينفجر البركان؟!
السؤال الحقيقي هو: هل سيكون ثمة من يملك شجاعة مواجهة الحقيقة قبل الانفجار، أم أننا سنكتفي بالتصفيق للديمقراطية بينما تحترق أصابعنا بحممها؟!
الحرية شعار جميل، والديمقراطية أداة محترمة!
لكن الشعار بلا عقل وهم، والأداة بلا حكمة خراب، والإنسانية بلا تخطيط كارثة، والصمت أمام الهراء المُقنَّن تواطؤ!
وألمانيا -كما كل شعوب الأرض – ستدفع ثمن ما اختارت بعيونها المفتوحة، لا ثمن ما كانت تتمنى!
ملاحظة: المقال الأصلي بالألمانية، تم رفض نشره في كل الصحف والمواقع الإخبارية التي يسيطر عليها ويمولها اليسار “””الديمقراطي”””!
قريباً سيكون في موقعي قسم خاص باللغة الألمانية!