اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية المقالات دليل النجاح في العالم العربي!

دليل النجاح في العالم العربي!

0
دليل النجاح في العالم العربي!

منذ فجر التاريخ، عرف الإنسان أن السلطة لا تحتاج دائماً إلى سيف!

أحياناً يكفي صوتٌ عالٍ، وجمهورٌ خائف، وعدوٌّ جاهز!

والإعلام العربي اليوم لا يختلف عن هذه المعادلة القديمة، بل طوَّرها وحدَّثها وأضاف إليها التقنية الحديثة، فأصبح المسرح أوسع، والأدوار أكثر، والجمهور أضخم، لكن المسرحية ذاتها لم تتغير منذ قرون!

مسرحيةٌ من ثلاثة أدوار لا غنى عنها:

الممول الذي يكتب النص في الخفاء!

المرياع الذي يؤدي الدور على المسرح!

القطيع الذي يصفق له!

وكل واحدٍ منهم يعتقد أنه يصنع التاريخ، بينما الثلاثة معاً لا يصنعون سوى الضجيج!

لنبدأ من حيث لا يبدأ أحد عادةً، لأن الحقيقة دائماً تسكن في الغرف المغلقة!

ثمة في كل منظومة إعلامية عربية يدٌ لا تُرى، تدفع الفواتير وتحدد الأجندات وترسم خطوط اللعبة بدقة متناهية!

هذا الممول لا يظهر على الشاشة، لأن الظهور على الشاشة مخاطرة، والمخاطرة تحتاج إلى ضمير، وهو اختار منذ البداية أن يشتري الضمائر بدلاً من أن يُعرِّض ضميره للخطر!

يفهم هذا الرجل علم النفس الجمعي أكثر بكثير من ضحاياه!

يعلم جيداً أن الخوف أسرع انتشاراً من الأمل، وأن الكراهية المُغلَّفة تارة بالعاطفة الدينيّة، وتارة أخرى بالوطنية، تبيع أكثر من الحب المجرد من راية، وأن الجمهور الغاضب لا يسأل، والجمهور الخائف لا يفكر، والجمهور المتعصب لا يتوقف!

لهذا يشتري الممول الذمم بالكيلو، ويصدِّر الغباء بالجملة لمن يقبله بالمفرَّق!

ليس شريراً بالضرورة، هو ببساطة رجل أعمال يفهم السوق!

وسوق الأفكار في العالم العربي سوقٌ بالغة الرخص، فيها البضاعة وفيرة والمشترون كثيرون والرقابة معدومة!

الآن نصل إلى الشخصية الأكثر إثارةً للاهتمام في هذه المسرحية!

المرياع ليس غبياً بالمعنى الحرفي للكلمة، وهذا ما يجعله أكثر خطورةً من الغبي الصريح!

هو ذكاءٌ انتهازي بلا بوصلة أخلاقية!

يعرف كيف يقرأ الجمهور، وكيف يستثير غرائزه، وكيف يحول الغضب الشعبي إلى رصيدٍ شخصي!

لا يحتاج موهبة!

لا يحتاج عقلاً!

لا يحتاج حتى لغةً سليمة يكتب بها جملةً واحدة دون أن يرتكب مجزرةً بحق الأبجدية ويترك النحو يتيماً على قارعة الطريق!

كل ما يحتاجه هو فمٌ واسع، وضميرٌ ضيق، وقضيةٌ معلَّبة جاهزة للاستعمال!

وصفته السحرية بالغة البساطة:

اشتم!

اشتم أكثر!

اشتم حتى تتعب حنجرتك وأصابعك ولا يتعب جمهورك!

فكلما ازداد رصيدك من الشتائم، ارتفعت أسهمك في بورصة التفاهة، وكلما انخفض سقف أدبك، ارتفع عدد متابعيك!

وسمِّ الناس بما تشاء: خائن، عميل، مرتزق، كافر، عار الأمة، حثالة التاريخ!

المهم دائماً أن تختار التهمة قبل أن تعرف الإنسان!

لأن معرفة الإنسان مُكلِفة، تحتاج وقتاً وجهداً وإنصافاً، وكلها سلعٌ لا تُباع في سوق الضجيج!

وإياك أن تناقش!

إياك أن تناقش مرةً واحدة!

المناقشة تعني أن تسمع، وأن تسمع يعني أن ثمة صوتاً آخر، وثمة صوتٌ آخر يعني أن الحقيقة ليست حكراً عليك وحدك، وهذه كارثة لا يحتملها من بنى هويته الكاملة على امتلاك الحقيقة المطلقة بالوراثة!

وهنا يكمن التناقض المأساوي في شخصية المرياع:

يظن أنه يقود، وهو مربوطٌ بحبل!

يظن أنه يتكلم بحرية، وهو يقرأ من نصٍّ كُتب له في غرفةٍ مغلقة!

يظن أنه المحرك، وهو الأداة!

مشكلته ليست أنه يقود القطيع، بل أنه هو أيضاً مربوطٌ بحبل في عنق حمارٍ أكبر منه!

وهنا نقف طويلاً، لأن هذا هو قلب المعضلة الحقيقية!

القطيع ليس شريراً دائماً، وليس حتى غبياً بالكامل وبالمعنى المجرد!

القطيع خائف!

وهذا هو المدخل الذي يفهمه الممول قبل غيره، ويستغله المرياع قبل سواه!

علم النفس الاجتماعي يخبرنا أن الإنسان، حين يشعر بالتهديد، يتخلى تلقائياً عن قدراته النقدية ويلتجئ إلى القبيلة!

والقبيلة في زمن السوشيال ميديا ليست عشيرةً، أو مدينةً، أو طائفةً!
القبيلة هي صفحة الفيسبوك، وقناة اليوتيوب، والتلفزيون الذي يخبره كل يوم أن عدوّه يتربص به! كالدروز الشياطين، والعلويون المرتدون، والمسيحيون المشركون، واليهود الخنازير، والسيخية، والبوذية، والهندوسية، والماسونية، والرأسمالية، والاشتراكية، والإلحاد، والعلمانية، والتنصير، والتفكير، والتكرير… وإلى آخر هذا الكرنفال من الأعداء الوهميين!

فالقطيع لا يبحث عن الحقيقة!

القطيع يبحث عمَّن يمنحه وهم الفضيلة على كل ما سبق!

يريد أن يشعر بأنه في الجانب الصحيح من التاريخ، وأن الله في صفه، وأن أعداءه يستحقون ما يقال عنهم، وأن صرخاته ليست مجرد ضجيج بل رسالةٌ إنسانية نبيلة!

ومن يمنحه هذا الشعور يصبح نبيَّه وزعيمه وملهمه!

هؤلاء تعلَّموا التاريخ من منشور فيسبوك، وفهموا السياسة من تعليقٍ كتبه مجهولٌ وهو يتثاءب فوق المرحاض، واستمدوا حكمتهم من مقطعٍ لا يتجاوز الدقيقة، ثم خرجوا يُفتون في الحضارات ويحاكمون الشعوب!

وأكثر ما يُحزن في القطيع ليس جهله!

بل قناعته العميقة بأنه يعرف!

عندما نضع الثلاثة معاً في إطارٍ واحد، نرى الصورة كاملة بكل بشاعتها!

ليست صدفةً أن الخوف ينتشر أسرع من الأمل!

ليست صدفةً أن الكراهية تحصد تفاعلاً أكثر من الحب!

ليست صدفةً أن المشتوم يصبح مشهوراً والشاتم يصبح نجماً!

هذه صناعةٌ محكمة تعمل بدقة مهندسٍ يفهم الغرائز البشرية أكثر مما تفهم هي نفسها!

المنظومة تعتمد على ثلاث حلقات لا تنكسر:

الممول يموِّل الرسالة ويحدد اتجاهها!

المرياع يوصِّل الرسالة ويضخِّم صوتها!

القطيع يستهلك الرسالة ويُشرعِّنها ويُعيد إنتاجها!

وكل حلقة تحتاج الأخرى، وكل دورٍ يُغذِّي الآخر، في دوامةٍ لا تتوقف ما دام ثمة خوفٌ يُستغل، وغضبٌ يُوجَّه، وجهلٌ يُسوَّق!

وهكذا تستمر المسرحية:

حميرٌ تقود مراعياً، ومراعٍ يقود قطعاناً، وقطعانٌ تتوهم أنها تصنع التاريخ، بينما هي بالكاد تصنع الضجيج!

المسرحية لن تنتهي بمجيء بطلٍ منقذ، ولا بصحوةٍ جماعية مفاجئة، ولا بمعجزةٍ تهبط من السماء!

ستنتهي فقط حين يقرر فردٌ واحد في القطيع أن يتوقف!

أن يسأل بدلاً من أن يُصفِّق!

أن يشك بدلاً من أن يتأكد!

أن يقرأ بدلاً من أن يُشارك!

أن يفهم خصمه قبل أن يشتمه!

فردٌ واحد يتوقف، ثم آخر، ثم عشرة، ثم مئة!

وحين يتوقف القطيع عن التصفيق، يبقى المرياع يصرخ في فراغ، والممول يدفع لمن لا يسمع أحدٌ منه!

والمسرح يُغلق أبوابه!