
لم أملك هذا الأسبوع سوى دقائق معدودة أتصفح فيها فيسبوك! وفي كل مرة كنت أخرج منه كما يخرج المرء من غرفة خانقة، ملأها الدخان حتى اسودّت جدرانها! لكنني اليوم ارتكبت الخطأ ذاته الذي يرتكبه الملايين كل يوم، بلا استثناء ولا تعلّم!
جلست أكثر من ساعة أتصفح بلا هدف!
حين أغلقت الهاتف، لم أشعر أنني اكتسبت شيئاً! لا معرفة، ولا متعة، ولا فكرة تستحق التوقف عندها! كل ما بقي كان ثِقلاً غريباً في الرأس، وتوتراً خفياً لا مصدر واضحاً له، وإحساساً بأنني قضيت ساعة كاملة أتنفس هواءً ملوثاً بإرادتي!
عندها عاد السؤال القديم يطرق ذهني بعناد:
إذا كانت هذه التجربة بهذا القدر من السوء، فلماذا يعود الناس إليها كل يوم؟!
السؤال يبدو بسيطاً، لكنه يفتح باباً على واحدة من أغرب الظواهر النفسية في تاريخ الإنسان الحديث!
الإنسان لا يعود دائماً إلى ما يسعده! أحياناً يعود إلى ما يمنحه الجرعة فحسب! والفرق بين الاثنين ليس تفصيلاً هامشياً، بل هو الفرق بين إنسان حرّ وإنسان مُدار!
المدمن لا يبحث عن المتعة! يبحث عن تكرار التجربة! لهذا ترى أشخاصاً يعلمون مسبقاً ما ينتظرهم خلف الشاشة: القدر ذاته من الغضب، والضجيج، والاستفزاز، والتفاهة المُعلَّبة! ومع ذلك يعودون إليه كل صباح كما يعود المؤمن إلى طقوسه، لا عن شوق، بل عن عادة باتت أقوى من الإرادة!
الفضول ينتهي حين تعرف النتيجة!
أما الإدمان فيستمر رغم معرفتها!
لقد تحولت المنصات الرقمية إلى آلات ضخمة لتوزيع الانفعالات لا المعرفة! هي لا تبيع الأفكار كما يتوهم كثيرون، بل تبيع الإثارة! كلما غضبت أكثر بقيت أطول! وكلما بقيت أطول ربحت الشركات أكثر!
لهذا لا تكافئ الخوارزميات الحكمة، بل تكافئ الاستفزاز! لا تكافئ التفكير الهادئ، بل تكافئ الصراخ! لا تكافئ الحوار، بل تكافئ الصدام! (خذ هذا المقال مثالاً، وقارن انتشاره ببوست لا يحمل سوى السفالة الصافية)!
في العالم الواقعي، يحتاج الأحمق إلى جهد حتى يجد من يصغي إليه! أما في العالم الرقمي، فيكفيه اتصال بالإنترنت!
هكذا حدث ما لم يعرفه التاريخ البشري بهذا الحجم من قبل! لم تعد التفاهة ظاهرة هامشية، بل أصبحت صناعة كاملة لها أسواقها ومستثمروها وجمهورها المخلص! وأصبح الجهل رأياً محترماً لمجرد أنه نُشر! وأصبح الانفعال دليلاً على الصدق، بينما بات التفكير العميق يُعامل كنوع من الترف غير المرغوب فيه!
لكن المأساة الحقيقية لا تكمن في وجود الحمقى!
الحمقى كانوا موجودين دائماً في كل عصر وفي كل مكان!
المأساة أن الإنسان العاقل أصبح يستهلكهم يومياً بمحض إرادته! يستيقظ صباحاً ليرى ماذا قالوا وماذا كتبوا وماذا فعلوا، ثم يقضي بقية يومه يدفع من أعصابه ثمن سفاهتهم!
معادلة عبثية بكل معنى الكلمة: السفيه يستمتع بسفاهته، بينما يدفع غيره الثمن من صحته النفسية!
ومن أكثر سموم هذا العالم الرقمي انتشاراً وفتكاً: الكراهية المُنظَّمة!
لهذا أسميها منذ زمن “مواقع التقاتل الاجتماعي”، لا مواقع التواصل! لأن التواصل الحقيقي آخر ما تبحث عنه خوارزمياتها! الكراهية تمنح الإنسان شعوراً سريعاً بالانتماء! وما إن يجتمع عدد من الناس على عدو مشترك حتى يشعروا فجأة بأنهم عائلة واحدة تجمعها قضية مقدسة! لهذا تنتشر المعارك أسرع من الأفكار! ولهذا تزدهر الشتائم أكثر من الحجج! ولهذا تجد كثيرين يتحدثون عن الأخلاق بينما يمارسون أفجّ أشكال الانحطاط بمجرد أن يختلفوا مع أحد!
إنهم لا يبحثون عن الحقيقة! إنهم يبحثون عن شعور الانتصار!
لكن خلف كل هذا الضجيج يكمن سؤال أشد إزعاجاً من كل ما سبق:
لماذا يخاف الإنسان من الصمت إلى هذا الحد؟!
ليس هذا سؤالاً بلاغياً! إنه سؤال نفسي عميق يستحق الوقوف عنده طويلاً!
الإنسان حين يجلس وحيداً في غياب الضوضاء، يجد نفسه وجهاً لوجه مع ذاته! مع أسئلته التي لا إجابات جاهزة لها! مع أخطائه التي لم يعترف بها! مع خساراته التي لم يعالجها! مع مخاوفه التي آثر دفنها بدل مواجهتها!
الشاشة تمنحه مهرباً جاهزاً من كل ذلك! تمنحه إشغالاً مستمراً يحول دون أي لقاء حقيقي مع النفس!
وهنا تحديداً تؤدي الإشعارات الرقمية الوظيفة ذاتها التي كانت تؤديها المخدرات في أزمنة أخرى: إبعاد الإنسان عن نفسه! لكن بطريقة أكثر نظافة في المظهر، وأشد قسوة في الأثر!
كثير من الناس لا يدمنون المنصات لأنهم يحبونها! يدمنونها لأنهم يخافون مما سيواجهونه إذا أغلقوها!
جرّب أن تضع الهاتف جانباً ساعة كاملة!
ستشعر في البداية بقلق لا تفسير له! بحاجة غريبة إلى التحقق من شيء ما لا تعرف ما هو! وهذا القلق بالذات هو الدليل، لا على أنك مشغول، بل على أنك مُدار!
لكن بعد أن يهدأ ذلك القلق الأول، قد تكتشف شيئاً كان مختبئاً طوال الوقت خلف الضوضاء: أن معظم المعارك التي كنت تتابعها بحماس لم تكن سوى ضجيج عابر لم يترك أثراً حقيقياً في حياة أحد! وأن كثيراً مما كنت تسميه متابعة للأحداث لم يكن سوى استهلاك يومي منظم للتوتر!
وأن الوقت الذي أنفقته هناك لم تشترِ به معرفة، ولا علاقة، ولا فكرة حقيقية! اشتريت به فقط حق الشعور بالإرهاق!
الإدمان الحقيقي ليس أن تفتح الهاتف!
الإدمان الحقيقي أن تعلم تماماً ما الذي ينتظرك هناك، وتعلم أنه لن يضيف إلى حياتك شيئاً يُذكر، ثم تعود إليه كل يوم بإرادتك الكاملة!
هذه ليست عادة عابرة يمكن التسامح معها!
إنها مازوشية رقمية جماعية يعيشها الملايين، ثم يتساءلون بصدق عن سبب تعبهم الدائم وقلقهم المستمر وضيقهم المزمن!
لقد أصبح الإنسان الحديث جامعاً محترفاً للنفايات النفسية! يخرج كل صباح ليملأ رأسه بما يكرهه ويستفزه ويستنزفه، ثم يعود مساءً متعجباً من رائحة التعب التي تملأ روحه!
وأغرب ما في الأمر أنه يعلم!
يعلم تماماً ما يفعله!
ومع ذلك يعود!