اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية مقالات اقتصاد الجمود؛ مَن يتألّم حين تقول الحقيقة؟!

اقتصاد الجمود؛ مَن يتألّم حين تقول الحقيقة؟!

0
اقتصاد الجمود؛ مَن يتألّم حين تقول الحقيقة؟!

ثمّة اختبارٌ لا يُخطئ، وميزانٌ لا يكذب!
لا تحتاج إلى أدلّة، ولا إلى براهين، ولا إلى جدل طويل مع أصحاب الرأي المعاكس!
يكفيك أن تقول الحقيقة… وتنظر!

لا تنظر إلى من يصفّق، ولا إلى من يومئ بالموافقة!
انظر إلى من يتألّم!
انظر إلى من يغضب!
انظر إلى من يرتجف وجهه وتتصلّب عروقه وتعلو نبرته حتى يكاد الصوت يتشقّق!
ذلك هو الدليل!

لأنّ الذي لا يملك شيئاً في الكذبة، لا يخسر شيئاً حين تُكشف!
والذي يتألّم، يتألّم لأنّ الكلمة الصادقة وقعت على استثمارٍ يخشى انهياره!

خذ الجمود في مجتمعاتنا كمثال؛
الجمود ليس موقفاً فكرياً، الجمود رأسمال!
ومن يهاجمك حين تقول الحقيقة لا يدافع عن فكرة، بل يدافع عن استثماراته!

إليكم بعض الأمثلة…
زعيمنا يكذب!
قلها بصوتٍ عالٍ في أيّ تجمّع!
لن يغضب منك الإنسان الحرّ! سيقول: ربّما، دعنا نناقش!
لكنّ من ربط كرامته بصورة الزعيم، ومن بنى هويّته على ولائه، ومن رهن مستقبله بسردية البطولة، ذلك سيشعر وكأنّك طعنته أنت، لا زعيمه!

حين وقف الصحفي السعودي جمال خاشقجي وكتب كلمته عن السلطة وزعيمها في صحيفة واشنطن بوست، لم يغضب منه الجهلاء فحسب!
غضب منه المثقّفون الذين استثمروا في الصمت! غضب منه من بنوا مساراتهم المهنيّة على مديح المنظومة!
غضب منه من كانت علاقاتهم وامتيازاتهم رهينةً بالولاء!
لم يكن غضبهم دفاعاً عن فكرة، بل كان ذعراً من أن تعرّيهم الحقيقة بعد أن عرّت الزعيم!
ودفع خاشقجي ثمن كلمته في القنصلية السعودية في إسطنبول عام 2018؛ لأنّ الحقيقة حين تُكلّف أصحاب السلطة كثيراً، يختارون إسكات قائلها لا مواجهة ما قاله!

وفي العراق حين خرج المتظاهرون عام 2019 وقالوا “نريد وطنا”، لم تُطلق عليهم رصاصَ الأيدي الغاضبة وحدها!
أُطلق عليهم أيضاً لسان كلّ من استثمر في بقاء المنظومة، من رجال دين يخطبون لصالح الميليشيا، إلى “مثقّفين” يكتبون مقالات تشكيك في “أجندات المتظاهرين”! لأنّ سقوط المنظومة يعني سقوط استثماراتهم كلّها في يوم واحد!

وفي سوريا، حين خرج متظاهرون في دمشق مؤخراً يطالبون بحقوقهم ويرفعون أصواتهم ضد الإستبداد الجديد، لم تواجههم السلطة وحدها! واجههم أيضاً من استثمروا طويلاً في سردية “النصر والتحرير” فصبّوا عليهم التخوين، وشكّكوا في نواياهم، واتّهموهم بخدمة “المؤامرة الفلولية”! لأنّ المتظاهر الصادق يُفسد على المستثمر في الكذبة سكينةَ باله!

وفي لبنان، حين رفض كثيرون الانجرار إلى الحرب الإيرانية الإسرائيلية، ورأوا أنّ بلدهم يُدفع نحو نارٍ ليست ناره، لم يجدوا حواراً! وجدوا التخوين الفوريّ! عميل! خائن! صهيوني! لأنّ من استثمر في خطاب “المقاومة” وربط كرامته بها وبنى حضوره السياسي عليها، لا يستطيع أن يسمع “ربّما هذه الحرب ليست حربنا”! دون أن يشعر بأنّ الأرض تهتزّ تحت قدميه!

لأنّه لم يستثمر في الزعيم فحسب، بل استثمر كرامته في الانتماء إلى الزعيم! وحين يسقط الزعيم يسقط هو! فيدافع – لا عن رجلٍ يؤمن به – بل عن نفسٍ لا يجرؤ أن يخسرها!

مثال آخر:
هذه العادة ضارّة!
قلها لمن يُمارسها منذ ثلاثين سنة!
قلها لمن علّمها لأبنائه، ولمن ورثها عن أبيه، ولمن يراها جزءاً من “الأصالة والهويّة”!
ستجد ما هو أشدّ من الغضب، ستجد الإهانة الشخصيّة!

حين بدأت حملات مناهضة ختان الإناث في مصر والسودان، لم يأت أعنف الردود من الرجال وحدهم! جاء من النساء اللواتي ختنّ بناتهن!
جاء ممّن صرخن: أنا ختِنت وما اذيتني!
لأنّ الاعتراف بضرر الختان يعني الاعتراف بأنّهن أذين بناتهن بأيديهن!
يعني أنّ الأمّهات كنّ جلّادات دون أن يعرفن!
وهذا ثمنٌ نفسيٌّ هائل لا تستطيع كثيراتٌ دفعه، فيختَرن الإنكار!

وحين تتحدّث عن ضرر الضرب في تربية الأطفال، يغضب أكثر الآباء الذين ضربوا أبناءهم!
لا لأنّهم لم يفهموا الحجّة، بل لأنّ فهمها يعني أنّهم كانوا ظالمين! وبدلاً من مواجهة هذه الحقيقة المؤلمة، يهاجمون من يقولها!

لأنّ العادة حين تتجذّر عقوداً تتحوّل من سلوكٍ إلى هوية! ولم يعد السؤال “هل هذه العادة صحيحة”؟! بل أصبح السؤال “هل أنا صحيح”؟!
ومن يسأل عن صحّته كلّ يوم، لا يحتمل جوابَ “لا”!

مثال مختلف…
أنا لا أؤمن!
هنا يصل الألم إلى ذروته – لأنّ رأس المال بلغ ذروته!

لاحظ جيداً: لم أقل “هذا التفسير خاطئ”!
لم أقل “هذا الفقيه أخطأ”!
قلت فقط: “أنا لا أؤمن”!
ثلاث كلمات لا تمس أحداً بالاسم، ولا تهاجم كتاباً، ولا تحرق تراثاً!
ومع ذلك – انظر ما يحدث!

يتحوّل الجوّ فجأةً! تنقلب الوجوه! ويبدأ المشهد الذي رأيناه آلاف المرّات: مرتدّ! كافر! شيطان! أبوك وأمّك يتقلّبون في قبورهم!
وفي بعض الزوايا من هذا العالم العربي “الجميل”، تصبح الكلمات الثلاث تلك كافيةً لتفقد عملك، وأسرتك، وحريّتك، وربّما حياتك!

لماذا كلّ هذا الثقل لثلاث كلمات لا تؤذي أحداً؟!

لأنّ الدين في مجتمعاتنا لم يعد مسألةً بين الفرد وما يؤمن به في أعماقه! أصبح الدين رأسمالاً اجتماعيّاً ضخماً موزّعاً على ملايين البشر في آنٍ واحد!
رجل الدين يملك سلطته باحتكار التفسير وادّعاء الوصاية على الحقيقة المطلقة!
والسياسيّ يملك شرعيّته بالتحالف مع هذه السلطة الدينيّة!
والأسرة تملك تماسكها الاجتماعي بالانتماء إلى المنظومة ذاتها!
وحين أقول “أنا لا أؤمن” – فأنا لا أقول رأياً شخصيّاً فحسب! أنا أسحب حجراً من قاعدة بنيانهم كلّهم في لحظة واحدة!

وكي نفهم حجم هذا الرأسمال، يكفي أن ننظر ماذا فعلوا بمن لم يذهب حتى إلى هذا الحدّ!
حين قال المفكّر المصري نصر حامد أبو زيد إنّ النصّ الديني نصٌّ بشريّ المنشأ يحتاج إلى قراءةٍ تاريخيّة نقديّة – لم يقل إنّه لا يؤمن، بل قال فقط إنّ التفسير البشريّ ليس مقدّساً – ردّ عليه القضاء المصري بالتفريق القسري بينه وبين زوجته بتهمة الردّة، فاضطرّ إلى مغادرة مصر والعيش منفيّاً في هولندا حتى وفاته!
لم يُهاجَم لأنّ حجّته ضعيفة – بل لأنّها كانت قويّةً جدّاً!
لأنّها فتحت باباً كان رجال الدين يملكون مفتاحه وحدهم، وفتحُ هذا الباب يعني أنّ أيّ إنسان مؤهَّل يستطيع القراءة والتفسير دونهم – وهذا ما لا يُغتفر!

وحين تجرّأ بعض رجال الدين داخل الأزهر ذاته وقالوا إنّ عقوبة الردة غير ثابتةٍ بالقرآن وإنّها اجتهادٌ بشريٌّ قابلٌ للمراجعة – كان الردّ عليهم التشهير والنبذ والإقصاء من داخل المؤسّسة!
ليس لأنّ حجّتهم ضعيفة؛ بل لأنّها قويّة!
لأنّ الاعتراف بها يعني أنّ المؤسّسة الدينيّة بنت قروناً من السلطة على عقوبة لا أصل لها في المصدر الأول! فكان الأسهل – كما هو دائماً – أن يُقتل الرأي لا أن تُواجَه الحجّة!

فكيف يكون الحال إذن بمن يذهب إلى أبعد من أبو زيد ومن علماء الأزهر المجتهدين – ويقول ببساطةٍ تامّة: أنا لا أؤمن؟!

أنا لا أكتب هذا من موقع من يناقش التفسير ويختار بين مذهبٍ وآخر! أكتبه من موقع من وقف خارج المنظومة كلّها ونظر إليها بعيونٍ مفتوحة! ورأى ما رآه! وقال ما قاله! وكتب ما كتبه! وعرف تماماً أنّ ميزان الحقيقة سيُثبت إصابته – بمقدار ما سيصرخون!

لأنّ “أنا لا أؤمن” لا تُخطئ تفسيراً واحداً – بل تُخطئ الاحتكار كلّه! وتُخطئ السلطة كلّها! وتُخطئ البنيان بأكمله! وهذا هو سرّ الصراخ – ليس غيرةً على الله، بل خوفاً على رأسمالٍ بنوه عقوداً باسمه!

هنا نعود لآليّة الجمود؛ فكيف يعمل هذا كلّه؟!

الجمود ليس غباءً – هذا ما يفوت كثيرين!
الإنسان الجامد ليس بالضرورة أقلّ ذكاءً – بل قد يكون أكثر دهاءً في حماية مصالحه!

الجمود خيارٌ اقتصاديٌّ في جوهره!
حين يستثمر الإنسان سنواتٍ وعلاقاتٍ وهويّةً ووجاهةً اجتماعيّةً في فكرةٍ بعينها، يصبح التغيير أكثر كلفةً من الاستمرار! لأنّ التغيير يعني الاعتراف بأنّ سنواتٍ ضاعت! ويعني إعادة بناء الهويّة من الصفر! ويعني مواجهة محيطٍ اجتماعي سيرى في التغيير “خيانة”!

وهذا ما شهدناه بعيون مفتوحة في تجربة “الربيع العربي”! حين سقطت الأنظمة أو اهتزّت، لم يكن أشدّ المقاومين لها الجنرالات والأجهزة الأمنيّة وحدهم! كان من بين أشدّ المقاومين رجالُ أعمالٍ استثمروا في علاقات النظام، وصحفيّون بنوا مساراتهم على مديحه، ورجالُ دينٍ شرعوا طاعته عقوداً! هؤلاء لم يكونوا يدافعون عن قناعةٍ – بل كانوا يدافعون عن استثمار!

والأمر لا يقتصر على السياسة! في كل مجالٍ يملك فيه أحدهم “رأسمال الجمود” – سيجد سبباً للصراخ حين تقول الحقيقة!
الطبيب الذي أمضى عمره يصف علاجاً أثبت العلم لاحقاً ضرره يهاجم الدراسة الجديدة!
والأستاذ الذي علم نظريّةً باتت متجاوزة يسخر من الجيل الجديد!
والأب الذي ربّى أبناءه بطريقةٍ بعينها يرفض أن يسمع أنّها كانت خاطئة!
الميكانيزم واحد؛ والألم مصدره واحد!

فيختارون الجمود، ليس لأنّهم مؤمنون بصحّته، بل لأنّ ثمنه أرخص!

قد تسأل هنا: ماذا يعني هذا لنا؟!

ببساطة، يعني أنّك حين تقول الحقيقة ولا يصرخ أحد، فلا تفرح كثيراً، ربّما لأنّ حقيقتك لم تصل بعد!
أو لأنّها وصلت إلى من لا يملكون فيها استثماراً!

وحين تقول الحقيقة ويصرخ الكثيرون، فلا تيأس – ربّما لأنّ حقيقتك وصلت إلى القلب الصحيح! إلى رأس المال الحقيقي الذي تهدّده!

الصراخ ليس دليل خطئك! الصراخ دليل إصابتك!

يعني أيضاً أنّك حين تجادل أصحاب الجمود بالمنطق وتنتظر أن يقتنعوا – فأنت تضيع وقتك في المعركة الخطأ! لا يحتاجون إلى منطقٍ أقوى – هم يعرفون منطقك وربّما يعرفون أنّه صحيح!
لكنّهم يحتاجون إلى أن يرتفع ثمن الجمود عن ثمن التغيير! والأفكار لا تتغيّر بالإقناع وحده، بل تتغيّر حين يصبح التمسّك بها أكثر كلفةً من التخلي عنها!

والمجتمعات التي تعاقب قائل الحقيقة لا تفعل ذلك لأنّها شريرة بالضرورة، بل لأنّها مثقلةٌ بالاستثمارات المتراكمة!
كلّ مؤسّسةٍ راسخة، وكلّ عادةٍ موروثة، وكلّ سلطةٍ قائمة، هي حزمة استثمارات يمتلكها أناسٌ حقيقيّون، وأيّ تهديد لها هو تهديدٌ لهم شخصيّاً!

والطريق إلى تحرير هذه المجتمعات لا يمر بالمهادنة! لا يمرّ بـ “نعم، لكن…”! ولا بـ”هناك وجهات نظر مختلفة”!
يمرّ بالمزيد من الحقيقة، والمزيد من الألم الذي يسبق الشفاء – حتى يصبح ثمن الاستمرار في الجمود أعلى من ثمن التغيير!

في النهاية، الحقيقة لا تحتاج إلى إذنٍ لتُقال!
لكنّها تحتاج إلى شجاعةٍ، لأنّ ميزانها الوحيد هو ألم من يسمعها!

فإن قلتَ الحقيقة وابتسم الجميع، فاسأل نفسك: هل قلتَها كاملةً؟!
وإن قلتَها وصرخوا في وجهك، فاعلم أنّك لمستَ ما يستحقّ اللمس!

أنا شخصيّاً لا أؤمن، وأعلم تماماً ما يعني ذلك في مجتمعاتنا!
أعلم حجم الصراخ الذي تستدعيه هذه الجملة، وأعلم أسماء ما سأُدعى به، وأعلم كم استثمر أصحاب الصراخ في أن تبقى هذه الجملة محرمة! لكنّني أعلم أيضاً -بعد كلّ ما كتبته هنا – أنّ حجم الصراخ ليس دليلاً على خطئي، بل هو أدقّ دليلٍ على إصابتي!

الجمود رأسمالٌ كسبه أصحابه بالصمت المتراكم وبالاستثمار الطويل في الكذبة المريحة!
ولن يتخلّوا عنه بحجّة واحدة، ولا بمقالةٍ واحدة، ولا حتى بعشرات الكتب!
لكنّهم سيتخلّون عنه – لا حين يقتنعون – بل حين يصبح ثمن التمسّك به أعلى ممّا يستطيعون دفعه!

وتلك وحدها هي لحظة التحرّر الحقيقيّ!