
كلُّ سلطةٍ تخاف من الانفجار تعلم أنّ القمع الأعمى ليس قوّة، بل انتحار مؤجّل!
فالضغط حين يتراكم بلا منفذ لا يصنع الطاعة، بل يصنع الانفجار!
ولهذا لا تعتمد الأنظمة الذكيّة على المنع فقط، بل على التنفيس!
لا تقتل كلَّ صوت، بل تسمح ببعض الضجيج المدروس، ببعض الشتائم المحدودة، ببعض الغضب الذي يُستهلك في الهواء قبل أن يتحوّل إلى فعل!
(حقبة الأسد والمسرحيات السياسية الساخرة، همام حوت وأمثاله من أصدقاء الأسد ذاته؛ لهو خير دليل على هذه الهندسة الديكتاتورية الذكية)!
ومن هنا وُلد ما أسميته: المعارضة الآمنة!
المعارضة الآمنة ليست معارضة حقيقيّة، بل جزءٌ من هندسة الاستقرار!
إنّها الصرخة التي يُسمح لها بالخروج كي لا يتحوّل الصمت إلى تمرّد!
هي معارضة تتكلّم كثيراً وتفعل قليلاً، تُحلّل أكثر ممّا تُغيّر، وتُتقن إدارة الإحباط بدل تفكيكه!
تراها في “المثقّف” الذي يكتب عن الحرية كأنّه تشي غيفارا، ثمّ يرتجف أمام توقيع ورقة قد تُزعج موظفاً صغيراً في الدولة!
وفي المواطن الذي يشتم السلطة لساعات داخل بيته، ثمّ يقف صباحاً ليُصفّق لها بحجّة “الاستقرار”!
وفي المعارض الذي يلعن الفساد يومياً، لكنّه لا يستطيع تخيّل نفسه خارج النظام الذي يكرهه!
وتراها ايضاً في الإعلامي الذي يرفع سقف الكلام ضمن السقف المسموح فقط، وفي الأحزاب التي تعيش على خطاب المعارضة أكثر ممّا تعيش على مشروع التغيير نفسه!
المعارضة الآمنة لا تُنتج ثوّاراً، بل مواطنين مُرهقين نفسيّاً يعتقدون أنّهم قاوموا فقط لأنّهم غضبوا بالكلام!
ولهذا تعشقها الأنظمة!
إنّها تمنح الإنسان شعوراً زائفاً بالشجاعة دون أن تُكلّف السلطة شيئاً!
فحين يتحوّل الغضب إلى منشور، والرفض إلى نكتة، والثورة إلى جلسة تحليل طويلة في المقهى، تكون المنظومة قد انتصرت دون أن تُطلق رصاصة واحدة!
فالسلطة لا تنزعج من غضبٍ يُكتب ثم يختفي بين آلاف المنشورات، بل من غضبٍ يعرف ماذا يريد، وكيف يتحرّك، ومع من يتحرّك!
لكنّ الأخطر أنّ هذه المعارضة لا تعمل وحدها!
إنّها تتحالف بصمت مع الدين والتقاليد والخوف الاجتماعي، لتصنع إنساناً مشلولاً من الداخل!
الدين يقول له: اصبر، فالآخرة خير!
والسياسة تقول له: أيُّ فوضى ستدمّر البلد!
والتقاليد تهمس في أذنه منذ الطفولة: لا تكن مختلفاً… المختلف يُؤكل وحده!
وهكذا ينشأ الإنسان العربي غالباً وهو يحمل تناقضاً مرعباً: غضبٌ يكفي لصناعة ثورة، وخوفٌ يكفي لإجهاضها ألف مرّة!
إنّه يعلم أنّه مسحوق، يعلم أنّه مخدوع، يعلم أنّ الفساد ينهش حياته، لكنّه تعلّم منذ الصغر أنّ النجاة أهمّ من الكرامة، وأنّ السلامة الشخصيّة فضيلة، وأنّ التكيّف مع القبح نوعٌ من الحكمة!
ومع الوقت، يتحوّل القمع من سلطة خارجيّة إلى شرطي داخلي!
لم يعد الحاكم بحاجة إلى مراقبة الجميع، لأنّ الناس اصبحوا يراقبون أنفسهم بأنفسهم!
المعارضة الآمنة هنا تؤدّي دور المخدّر النفسي: تمنحك وهم المشاركة دون أن تقترب من التغيير الحقيقي!
ولهذا ترى مجتمعات كاملة تتكلّم في السياسة طوال اليوم، لكنّ شيئاً لا يتغيّر!
ضجيجٌ هائل… وحركة صفر!
(لبنان آخر 40 عاماً؛ العراق آخر 25 عاماً؛ سوريا آخر 15 عاماً؛ أمثلة عاصرناها ومازلنا نعاصر وبائها حتى اللحظة)!
الجميع غاضب، الجميع يملك تحليلاتٍ ومواقف حادّة، لكنّ البنية نفسها تبقى واقفة كأنّ شيئاً لم يحدث!
وكأنّ الأنظمة اكتشفت المعادلة العبقريّة: دع الناس يصرخون… شرط ألّا يتحرّكوا!
إنّهم يشبهون شخصاً يصرخ يومياً بأنّ البيت يحترق، ثمّ يعود لينام داخله كلّ ليلة لأنّه اعتاد رائحة الدخان!
الأنظمة لا تخاف من الكلام بحدّ ذاته، بل من اللحظة التي يتحوّل فيها الغضب إلى وعيٍ منظّم وفعلٍ جماعي!
لهذا تسمح لك أحياناً بأن تلعن، أن تسخر، أن تتنفّس، ما دمت لن تلمس البنية الحقيقيّة للقوّة!
(مثال: سلطة الجولاني حالياً وبعض الأصوات المعارضة وبعض الوقفات التي لا تغير سوى من كمية الأوساخ في الشوارع، وكل هذا يتم استغلاله إعلامياً لتقديمه على أن النظام يتقبل وجود معارضين له)!
فالأنظمة الحديثة في ديكتاتوريتها لا تعتمد دائماً على إلغاء المعارضة، بل على إدارتها واحتوائها وتحويلها إلى جزء من الديكور السياسي!
فالمواطن المثالي بالنسبة لأيّ سلطة ليس المواطن الصامت فقط، بل المواطن الذي يعتقد أنّه معارض بينما هو يؤدّي دوراً وظيفيّاً داخل النظام نفسه!
وهنا تبلغ المأساة ذروتها:
حين يصبح الإنسان مقتنعاً أنّه حرّ فقط لأنّه يملك حقّ الشكوى!
إنّ المعارضة الآمنة ليست فشلاً عارضاً في المجتمعات العربية، بل جزء من آليّة إعادة إنتاج الاستبداد!
إنّها الثورة بعد تدجينها، والغضب بعد تحويله إلى طقس اجتماعي، والوعي بعد نزع أنيابه!
ولهذا، فإنّ أخطر سؤال ليس: لماذا لا يثور الناس؟!
بل: كيف نجحت المنظومات في تحويل الثورة نفسها إلى مجرّد طريقةٍ للتنفيس؟!
وربّما السؤال الأكثر رعباً هو:
كم شخصاً يعتقد اليوم أنّه يقاوم، بينما هو في الحقيقة يؤدّي الدور المطلوب منه بدقّة؟!
(انظروا إلى بعض معارضي الجولاني الذين يمطرون الناس يومياً بفيديوهات لا تتجاوز حدود الشتيمة والسخرية المتبادلة مع أتباعه؛ جماعة “عوّي ولاك”!
ضجيجٌ يومي يُنتج مزيداً من الاستقطاب، ويمنح النظام الإرهابي في دمشق فرصةً مثاليّة ليبدو وكأنّه يتقبّل “المعارضة والنقد”، بينما لا يحدث أيّ تهديد حقيقي لبنية سلطته!
المفارقة أنّ كثيرين منهم يعتقدون أنّهم يفضحون النظام، فيما هم عمليّاً يشاركون في تثبيت حضوره داخل الوعي اليومي للناس)!
الاستبداد لا ينتصر فقط حين يُسكت الجميع، بل حين يجعلهم يتكلّمون بالطريقة التي تخدمه!
وكلّ نظام يستطيع احتمال الضجيج…
لكنّه يرتعب فقط من الإنسان الذي يتوقّف عن التنفيس، ويبدأ بالفعل!
وصلتَ إلى هنا؟!
إذن حاول ألّا تستخدم هذا النص كجرعة غضبٍ إضافيّة ثم تعود إلى حياتك كأنّ شيئاً لم يحدث!
فالمنظومات لا تخشى الإنسان الغاضب بقدر ما تخشى الإنسان الذي فهم كيف يُدار غضبه!
وربّما… يبدأ التغيير من هناك!