اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية مقالات وثيقة بلا أصل، وأمان بلا وفاء؛ في تشريح أكذوبة تاريخية متقنة!

وثيقة بلا أصل، وأمان بلا وفاء؛ في تشريح أكذوبة تاريخية متقنة!

0
وثيقة بلا أصل، وأمان بلا وفاء؛ في تشريح أكذوبة تاريخية متقنة!

وصلني مقال من صديق آشوري عزيز، أرسله إليّ وهو يعلم جيداً أنني لن أمرّ عليه مرور الكرام! 

والمقال باسم سفير إماراتي سابق، وهذه التفصيلة وحدها تكفي لفهم السياق قبل قراءة السطر الأول! 

فحين يكتب دبلوماسي سابق عن “التسامح الإسلامي” في صحيفة خليجية، فأنت لست أمام بحث تاريخي، بل أمام وثيقة سياسية مُلبَّسة عباءة الأكاديميا! 

لكن دعونا نتناول المقال بما يستحق من تشريح نقدي لا يرحم!

أولاً: وثيقة لا يعلم أحد أين هي، لكن الجميع يعلم ما تقول!

القاعدة الأولى في النقد التاريخي، التي يتعلمها طالب السنة الأولى في أي كلية تاريخ محترمة، هي أن الوثيقة بلا أصل ليست وثيقة، بل هي رواية! وفرق كبير بين الاثنتين! فأين النسخة الأصلية من هذا “العهد النبوي” الذي يُقدَّم لنا بكل هذه الطنطنة والاحتفاء؟!

يجيب الكاتب بسلاسة مريبة تكشف أنه اعتاد على هذا النوع من الأسئلة: ضاعت! نُهبت! أخذها العثمانيون إلى إسطنبول! دمّرها الأكراد في القرن التاسع عشر! وربما سرقها الجن أيضاً في رواية موازية لم تُكتب بعد! 

وكل هذه الإجابات المتناقضة المتراكمة فوق بعضها كأكواب ورقية هشة، تقول شيئاً واحداً فقط: لا أحد يعلم أين هي، لأنها ببساطة لم تكن موجودة أصلاً! فأيّ باحث جاد يقبل وثيقة تاريخية تتغيّر قصة اختفائها بحسب المصدر؟! 

وأيّ عقل سليم يصدّق أن أهم وثيقة في تاريخ العلاقة بين الإسلام والمسيحية الشرقية ضاعت بهذه السهولة المريحة التي تُعفي أصحابها من تقديم أي دليل؟!

هذا بالضبط ما يسميه علماء التاريخ “الاحتجاج بالغياب المريح”، أي أن الدليل غائب لأن الظروف أخفته، لا لأنه لم يوجد أصلاً! وهي حيلة قديمة يلجأ إليها صانعو الأساطير حين يضيق بهم الدليل!

ثانياً: التاريخ الحقيقي يكذّب الوثيقة المزعومة بنفسه!

لنفترض جدلاً، ومجرد جدل، أن الوثيقة حقيقية! لنفترض أن رسول الإسلام فعلاً منح البطريرك الآشوري عهداً وأماناً بحضور كبار الصحابة! (عمر بن الخطاب من بينهم، صاحب العهدة العمرية) إذن ما الذي جرى بعد ذلك مباشرة؟!

بعد سنوات قليلة من هذا “العهد الإنساني” المزعوم، انطلقت جيوش الغزو الإسلامي لتجتاح العراق وسوريا ومصر وشمال أفريقيا وفارس! ولم تكن في أيدي هؤلاء الغزاة وثيقة أمان، بل كانت في أيديهم سيوف وفي رؤوسهم يقين بأن ما يفعلونه واجب ديني لا ترفٌ اختياري! 

وكنائس الآشوريين ومسيحيي المشرق لم تُصَن بموجب أيّ عهد، بل خضعت لمسار طويل من الجزية والاضطهاد والتهميش المنهجي الذي تراكمت طبقاته قرناً بعد قرن، حتى وصل مسيحيو المشرق من ملايين إلى بقايا متناثرة في هوامش الخرائط!

فإذا كانت الوثيقة موجودة وصحيحة وموثّقة ومختومة بخاتم محمد نفسه، فما الذي منع تطبيقها لحظة واحدة في التاريخ؟! 

الجواب الوحيد المنطقي الذي لا مفر منه هو أنها لم تكن موجودة أصلاً، أو أنها كانت حبراً على ورق لا قيمة له عند أول اختبار حقيقي! وكلا الاحتمالين يُسقط الوثيقة من عرشها المصطنع سقوطاً مدوياً!

ثالثاً: العهدة العمرية شاهد عدل يفضح الرواية من داخلها!

يكفي أن نقرأ ما يُعرف بـ”العهدة العمرية”، وهي وثيقة أكثر توثيقاً وأوسع انتشاراً وأقل خلافاً من الوثيقة المزعومة، لندرك الوجه الحقيقي لهذه العلاقة بين “الفاتح” ومن فتح عليهم! 

فتلك الوثيقة تفرض على المسيحيين قيوداً مذلة شاملة ودقيقة في إذلالها: لا بناء كنائس جديدة، ولا إصلاح القائمة منها إلا بإذن، ولا إظهار للصليب في الأماكن العامة، ولا رفع للصوت في العبادة، ولا قرع للناقوس إلا همساً، ولا ركوب للخيل لأنها شعار الأسياد، والتمييز في اللباس واجب حتى لا يُخطأ الذمي بالمسلم في الشارع!

فهل هذا هو “التسامح النبوي” الذي تتحدث عنه الوثيقة المزعومة؟! وثيقة “تسامح” من جهة، ووثيقة إذلال منهجي من جهة أخرى، ومن يحتج بالأولى ويصمت عن الثانية إنما يمارس نوعاً من الاحتيال الأكاديمي على القارئ!

رابعاً: التناقض الداخلي في المقال دليل إدانة ذاتية!

المقال نفسه يتناقض مع نفسه في فقرات متتالية دون أن يشعر كاتبه، أو ربما يشعر ولا يبالي! فمن جهة يقول إن الوثيقة “ظلت نافذة” طوال حكم الراشدين والأمويين والعباسيين! ومن جهة أخرى يُقرّ بأن نفوذ الكنيسة الآشورية “تقلّص” في نفس الحقب! فكيف تكون الوثيقة نافذة والكنيسة تتقلص في آنٍ واحد؟! هذا ما يحدث حين يُكتب التاريخ بالأمنيات بدلاً من الوثائق، وبالعاطفة الدينية بدلاً من المنهج النقدي!

خامساً: الصمت عن المذابح أبلغ من كل وثيقة!

في عام 1914-1918، في نفس الفترة التي يذكرها المقال نفسه، تعرض الآشوريون لمجزرة بشعة على يد قبائل كردية بالتنسيق والدعم والتحريض مع الدولة العثمانية! وهذه موثّقة في أرشيفات بريطانية وأمريكية ودراسات أكاديمية لا تُحصى! فأين كانت “وثيقة النبي” حين كانت القرى تُحرق؟! وأين كانت حين اغتيل البطريرك مار شمعون سنة 1918 الذي يذكره المقال نفسه دون أن يرفّ له جفن؟! الوثيقة كانت غائبة لأنها لم تكن موجودة، وكل من أشهرها لاحقاً إنما يرقص على دماء الضحايا بأناقة من لا يرى الجثث تحت قدميه!

سادساً: التوظيف السياسي، الوجه الحقيقي للمقال!

وهنا نصل إلى البيت الحقيقي الذي بُني من أجله المقال كله! فحين يختم سفير إماراتي سابق مقاله بالربط بين “الوثيقة النبوية” ووثيقة أبوظبي بين الأزهر والفاتيكان، فهو لا يمارس البحث التاريخي بل يمارس الدبلوماسية الثقافية بأدوات الأكاديميا المزيّفة! هذا توظيف سياسي مكشوف لأكذوبة تاريخية، لخدمة مشروع “الأخوة الإبراهيمية” الذي تحتاجه حكومات المنطقة لأسباب لا علاقة لها بالتسامح الحقيقي! حين تحتاج السلطة إلى شرعية تستدعي التاريخ، وحين لا يكون التاريخ مناسباً تصنعه، وحين يُسأل عن الأصل تجيب بأنه ضاع! دورة متكاملة من الاحتيال الثقافي لا تحتاج أصحابها حتى إلى الاستحياء منه!

تحدٍّ مفتوح لمن يجرؤ!

وفي نهاية هذا الرد السريع (سبق وأن فضحته مسبقاً عندما كان الجولاني والبطرك يتيادلان الأكاذيب بنفس الخصوص منذ عدة أشهر)، أتوجه بتحدٍّ مفتوح لكل من يريد الدفاع عن هذه الأكاذيب المركّبة: اقرأ كتابي “الإسلام نصوص وأفعال” ثم ردّ عليه إن استطعت! (هذا التحدي أطلقته قبل 15 عاماً ومازال قائماً) فذلك الكتاب لا يعتمد على روايات مجهولة الأصل ولا على وثائق ضائعة مريحة الغياب، بل يعتمد على المصادر الإسلامية الأصيلة ذاتها، تلك التي تُدرَّس في الأزهر والسعودية وكل مرجعية دينية إسلامية معترف بها! ومن تلك المصادر نفسها، بحروفها وأسانيدها وسياقاتها، تنهار كل هذه الأكاذيب الجميلة عن التسامح والأمان والعهود! بل إن تلك المصادر تذهب أبعد من ذلك بكثير، وتهدم الرواية الرسمية برمّتها من داخلها، دون أن نحتاج إلى أي مصدر خارجي أو “معادٍ”! 

فمن كان واثقاً من روايته، فليتفضّل! 

الميدان مفتوح والكتاب موجود، وأنا هنا!